الخميس، 25 أغسطس 2011

فى أيام العتق


خلق الله الإنسان حرا عزيزا كريما
يتنسم الحرية.. ويلتحف الكرامة... وتتوّجه العزة

كل ما حرّمه أو فرضه الله على عبده كان حفظا لكرامته، وتهذيبا لشهوته، وترسيخا لعزته

ليست الحرية هى انطلاق المرء خلف شهواته وأهوائه.. بل هذه هى العبودية والذلة بعينها ,ومن يرى فى ذلك قيدا نراه نحن قانونا لاحترام حرية الآخرين، والحفاظ عليهم

ولو كانت قيمة الإنسان تقاس بمقدار ما يناله من لذة ..فسيكون الحيوان أكثر منه قيمة وأعلى قدرا.. فهو ينفلت من كل قيد هائما كما يحب، وينطلق وراء كل لذة راكضا كما يهوى

يقول الله عز و وجل "أرأيت من اتخذ إلهه هواه"

قد يكون هوى العبد هو إلهه فيطيعه، ويعبده، ويخشاه

فالسلطة شهوة وصاحب السلطة لها عبدا... والكرسى هوى ومن يألفه صارله عبدا

من هذا المنطلق نجد أن الحاكم قد يكون عبدا والشعب المستعبد هو من يكون حرا ،أو بالأحرى يناضل من أجلها

أن يحكم طاغية شعبا فهذه غُمة

أن يستبد الهوى ب طاغية موتور فيتحكم فى شعب أربعين عاما فهذه كارثة

عاش الشعب الليبى أربعين عاما من التغييب الثقافى والعلمى والسياسى والحضارى فلا تواجد لليبيا فى محافل ثقافية ..ولا مؤتمرات علمية ..ولا فى أى مجال

عاش الشعب الليبى أربعين عاما تحكمه فلسفة العته واللامنطق..فالمجد لمن يستحق السحق ، والسحق لمن يستحق المجد

موازين ظلت مقلوبة فى هذا البلد الطيب عشرات السنين... سنوات من الحظر والعقوبات... أموال تنفق بلا حساب على التسليح.. ثم مليارات فى تعويضات عن جرائم إرهابية وّرط فيها القذافى بلده ؛ لتدفع هى الثمن

المعارضون إما فى المنفى أو المعتقل.. و فى ليبيا غالبا ما يخرج المعتقل من محبسه الى قبره

مثلما فُعل بما يزيد عن ألف شاب من المعارضين الإسلاميين فى سجن أبو سليم قتلوا بليلٍ ودفنوا دون أن يسمح لذويهم بإلقاء النظرة الأخيرة عليهم أو توديعهم إلى مثواهم الأخير أو إقامة العزاء

أربعون عاما فى دولة عائمة على آبار النفط وللأسف تعانى معاناة من لا يملك أى ثروة

لا مستشفيات تعالج.. ولا مدارس تعلم... ولا ثروة تنعش أصحابها

ومن شاء أى من ذلك فليخرج من ليبيا.. وكأنما حُكم على الليبيين أن يعيشوا فى غياهب الجب، وليسوا فى دولة نفطية تستطيع إيراداتها أن تجعل ليبيا فى مصاف دول العالم الأول

عاش أحفاد عمر المختار أكثر من أربعين عاما من الاسترقاق والاستعباد يأتي بعدها تحرير الرقاب
فالعتق من نيران العبودية جاء فى أيام العتق ،بعد أن ذاق الشعب ويلات الرق على يد سيد أخرق

فليرحم الله آلاف الشهداء الذين قدموا أرواحهم من أجل أجمل ما منحه الله لنا ألا وهى الحرية..وليحتفى الشعب المجاهد الذى صبر شهورا بحريته وبعتقه من العبودية


ومن ....النار إن شاء الله

الجمعة، 12 أغسطس 2011

نقطة تحوّل


لا شك فى أن أعظم لحظة تاريخية مرت بها البشرية على وجه الأرض ...هى لحظة نزول القرآن، وهو حادث له أثر عظيم فى حقيقته ودلالته وتغييره فى الكون كله

لا شك فى أن لحظة انتصار المسلمين فى غزوة بدر هى من أجمل اللحظات على المستوى الإيمانى ،والإنسانى، والحربى.. حيث برزت قيمة اليقين بنصر الله عز وجل والتوكل عليه، ولتؤكد أن النصر من عند الله وليس بعتد وعتاد

لاشك فى أن فتح مكة كان نصرا عظيما للمسلمين وعزة للرسول وصحبه بعدما ترك أحب بقاع الأرض لقلبه

لا شك فى أن فتح عمورية على يد المعتصم بعدما استجارت به امرأة وصرخت "ومعتصماه" كان احتراما لقدر المرأة فى الإسلام، ولمهمة القائد أو الخليفة، والاستجابة لاستغاثة الرعية

لا شك فى أن انتصار المسلمين على هولاكو فى معركة عين جالوت كانت قصمة للمغول، ونصر ورفعة للمسلمين

لا شك أن انتصار المصريين فى السادس من أكتوبر ضد إسرائيل كان استعادة لكرامة مصر، ومكانتها بين العالم

لا شك أن أولى محاكمات مبارك التى شهدها العالم على الملأ كانت سبباً فى شفاء صدور قوم مؤمنين، وإعلاء لقيمة العدل بعد إهداره ، وفقد البعض الثقة فى قيمة عليا تستقيم معها البشرية

كل هذه الأحداث الجسام كانت فى شهر رمضان المبارك..

شهر يوثق انتصار..يشهد تغيير
يدعم ثورة.. يترك تأثير...

وذلك على المستوى الفردى والمجتمعى والأممى..

إن رمضان يدربنا على القوة التحمل..يعطينا فرصة للتدبر والتأمل

يقول الله عزوجل
" إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم"

وقد وضع الله هنا قانونا فى التغيير ينطبق على المؤمن وغير المؤمن

ووفقا لهذا القانون الإلهى فالإنسان لابد أن يخطو الخطوة الأولى نحو التغيير،وأن تصدق رغبته الداخلية مع أفعاله ومن ثم يكون التغيير الأشمل بنصر من الله تعالى

فإن كنا ننشد التغيير الشامل والجذرى ..لابد أن نغير أنفسنا وما بها حتى يكون التغيير فعليا ومجديا، فالتغير الفردى خطوة نحو تغيير مجتمعى شامل

ورمضان يعطينا الفرصة ..فكل يوم نقنن سلوكا نرغبه...ونترك آخر نمقته

فكم من منفث لدخان لفظه، وكم من معاقر لمنكر تركه، وكم من مرتكب لإثم تاب عنه

الكل ينتظر مدرسة رمضان تفتح أبوابها ليبدأ التغيير
فالحافز.. الثواب ..والدافع.. الإرادة..والجو العام يسيطر عليه الصفاء

والتغيير يحتاج لتكرار كما يقول المختصون.. فالإنسان يحتاج من 6 إلى 21 يومًا ليعتاد على سلوك جديد..ولدينا فرصة بان نكرر العادات، أو السلوكيات الجديدة في رمضان 30 يومًا..

فالعادات ما هي إلا سلوكيات تعلمناها ومارسناها حتى اعتدنا عليها، وصارت كأنها جزء منا, وهي في الحقيقة منفصلة عنا.. فكما تعودنا على عادات سيئة .. فلنكرر العادات الحسنة التي نريد أن نعتادها،

وها هو شهر رمضان فرصة جيدة لذلك... ولنجعل سلوكنا الإيجابى الذى نريد أن نسير عليها من ضمن برنامجنا اليومي في رمضان

هذا وقد أتى رمضان علينا هذا العام بتغيير قد صنعناه على مستوى الوطن، والمجتمع.. أفلا نستطيع أن نصنع تغييرا على مستوى الفرد؟

فلكى نبنى وطناً على أسس مجتمعية صحيحة لابد أن تكتمل منظومة التغيير.. ونغير نواة المجتمع..ولننتهز فرصة شهر رمضان

وبقوة عزم وإرادة
وبعون الله وعتاده
ولتشهد أيام عبادة
هى لشهورِ العامِ قلادة
وعدٌ من الجندِ والقادة
لنعيد مجدا وريادة
ونكون للأمةِ سادة




الخميس، 28 يوليو 2011

السوشى


منذ سنتين أو ثلاث شاهدت برامج دعائية ووثائقية عن السوشى، ولمن لا يعرفه فهو أكلة من السمك النيئ ابتدعتها اليابان

كان أحد هذه البرامج فى إطار تبادل الثقافات، أو كنوع من الثقافة التعريفية بين اليابان وفرنسا فى مهرجان كبير اشترك البلدان فيه بأمهر الطهاة ليقدموا طعاما فرنسيا وآخر يابانيا

وظللت أتابع تاريخ هذا السوشى ومسيرته خاصة بعدما علمت بمكونه، وقد عجبت من إصرار اليابان على إقناع العالم بأكمله بالسوشى رغم أنه غير شهى على الإطلاق.. فهو سمك نيئ مغلف بنوع من الطحالب يؤكل مع الأرز الذى يضاف إليه الخل لقتل الميكروبات الموجودة بالسمك

ولم أتوقع أبدا نجاح السوشى وصدارته على الموائد الفخمة ، ولكن يبدو أن الإيمان بهدف مهما كانت دوافعه يدفع صاحبه للنجاح.. إن لم يكن التميز

استماتت دول شرق أسيا وعلى رأسهم اليابان فى نشر ثقافتها علاوة على الصناعة والتجارة ، وقد نجحت ..وأصبح السوشى طعاما مشهورا تتبارى المطاعم فى تقديمه ، ويُقدم الزبائن على تناوله ، وأعتقد أن إقبالهم بدعوى التحضر والتماشى مع طعام العصر العالمى.. وقد تجدهم يبتلعون حسرتهم مع "سوشيهم " حتى لا يُتهموا بالتخلف

لم تكتف اليابان والصين بأنهما أصبحا عملاقى الصناعة، وأصبحت الصين تورد لنا حتى حلوى الأطفال..إلا إنهما يصران على أن نستبدل طعامنا بالسوشى الكريه، وحتى وإن لم نستسغ طعمه فأخذوا يعددون لنا فوائده التى يمكن أن تكون موجودة فى نفس السمك المطهو

ولا يختلف فرض اليابان للسوشى عن فرض الولايات المتحدة الأمريكية للحلوى الشهيرة "الآبل باى" فطيرة التفاح و التى لا ترقى لأقل صنف حلوى لدينا، ولكنه تفكير اقتصادى لتصريف إنتاج أمريكا الأول من التفاح وتواجد قسرى لأمريكا وثقافتها ولو على ...طاولة الطعام

ورغم أننى لا أتيه زهوا بالحضارة الفرعونية كما يفعل البعض، ويتحدث عنها راكنا لها، ناسيا الحاضر، متجاهلا المستقبل.. إلا أن حتى الثقافة الفرعونية تحدثت عن الطعام بشكل كان أكثر حضارة من يومنا هذا
فمثلا تصور الثقافة الفرعونية "حابي أبو الأرباب"؛ في هيئة رجل ذي بطن ممتلئة ويطلى باللون الأسود أو الأزرق، ويرمز إلى الخصب الذي منحه النيل لمصر

كما كان حابي يصور حاملا دواجن، وخضراوات وفاكهة؛ إلى جانب سعفة نخيل، رمزا للسنين، ومع ذلك فلم نجد مثلا مطعما يضع صورة حابى فى رمز، أو إشارة لحضارتنا العريقة

وما دعانى للكتابة عن السوشى هو خبر قرأته منذ فترة عن تصدير إسرائيل للطعمية على أساس أنها أكلة إسرائيلية.
لم تكتف إسرائيل باغتصاب الأرض، ونهب الوطن.. بل تسرق التراث، وتنسب التاريخ لنفسها، تبحث عن أى ثقافة لها فلا تجد غير العنف والإرهاب، تبحث عن أى تراث فلا تجد غير العدوان ، فلا تستحى فى أن تنسب تراث حتى ولو بسيط لنفسها

وما يزيد هذا الاستفزاز هو صمت صاحب الحق، فلم نتحرك ولو حتى بإعلان الغضب، أو الشجب عندما تنهب الحقوق.. بل وبكل تسامح أو تساهل نفرط فى النفيس والرخيص ..فيم صنعناه..وفيم صنعه السابقون

لم تنهض جهة ولا مسؤول ولا شيف ولا ذواقة ليعلن... اتركوا تراثنا.. فلم يتبق لنا شيئا

برغم بساطة خبر سرقة الطعمية.. إلا أن مدلولها كبير

فعلى المستوى البسيط

لم ينتفض فرد بسيط ليقول.. إن الطعمية أكلة مصرية أتناولها منذ خمسين عاما، وربما أكثر من مرة فى اليوم حتى شكلت جسدى، وحفرت ملامحى

لم يعترض مصرى من 80 مليون على أشهر أكلة شعبية فى مصر، من جانب الوطنية حتى ينفى عن نفسه عارا بأنه يتناول يوميا أكلة إسرائيلية

اليابان تعقد المهرجانات وتعلن فى المحافل عن السوشى حتى تجعل لنفسها معلما فى كل مجال، ونحن نفرط فى تراثنا ومعالمنا وحقوقنا

لماذا تحاول أن تصنع لنفسها تراثا، ونتخلى نحن عن أى تراث، بل واليوم نجد من يدعو للتفريط فى حقوق شعب على مدار سنين بدعوى التسامح وغيرها من المصطلحات التى ليس لها غير مترادف السذاجة

المكان التى تتصدره اليابان على الخارطة الدولية اليوم لم تنتزعه إلا عن تصميم، وعمل، ووعى...والمكانة التى تخلت عنها مصر من قبل.. وتحاول اليوم استعادتها لن تتم إلا بنفس التصميم، والعمل، والوعى

البون شاسع بين من يصر على أن يصنع لنفس مكانا وكيانا، ومن يفرط فى كيانه، ومكانه

الدافع الذى يجعل اليابان تصمم على أن تقنع العالم كله بالسوشى هو ما جعلها ..اليابان
وهو ما جعل أمريكا.. القوة العظمى
و غيابه هو ما جعلنا نصمت على سرقة إسرائيل لأكلة الطعمية واستباحتها لسرقة كل تراث، وأرض وثقافة.. مما جعل مصر بكل حضارتها ترتد عن مكانتها، وتتخلى عن صدارتها
وهو نفسه ما جعل هذا الكائن السرطانى يتقدم مزاحما الدول الكبرى

على كل الأصعدة نحن نفرط فى تراثنا، حضارتنا، ثقافتنا، نستبدل الغث بالثمين

نتخلى عن تاريخ ونستورد واقعاً ممن لا يملكون أى حضارة

كمن باع سنينا بيومٍ ليس له غد

كان فكرة السوشى ،وفطيرة التفاح الأميركية هى اختزال لفكرة فرض الثقافة والتغلغل التراثى، وإصرار الدول الكبرى لفرض نفسها ، وإثبات تواجدها

فعندما يُطمس التاريخ
ويُسرق التراث
ويُمزق الماضى
ويُموّه الحاضر

فماذا ننتظر من المستقبل؟؟

لكى نبنى مستقبل.. لابد أن نقرأ الماضى.. ونكتب الحاضر على أروقة التاريخ

(هذا حتى لا ننسى التاريخ إذا ما وقعنا من ذاكرته)

الخميس، 14 يوليو 2011

لقرحهم أشد من قرحكم



ما من وجع أكثر من وجع الفؤاد

ما من ألم أشد من ألم الفراق

ما من فقد أقسى من فقد العزيز

إن الحزن عندما تفقد عزيزا لفالق كبدك .. ويكون أشد عندما يكون هذا العزيز هو ولدك

و مرارة الفقد لا يزيلها الشهد، غصة فى الحلق تدوم، وثقل على كاهل مهموم

إن مصاب أهالى الشهداء لهو قرح لن يندمل إلا بقصاص يطببه ، وقاض عادل يعالجه

ف الحياة التى يهبها القصاص هى الماء الذى يخمد ألسنة نيران تأكل فى قلب كل مكلوم، وتلهب صدر كل مظلوم

الحياة التى تعنى الاستقرار والأمن الذى به تعلو هتافات من لم يفقد، ولم يشعر بلوعة الفراق

الحياة التى تعيد للمُثخن روحه ،وتوقف للجرح قيحه

تستوقفنى الروعة والجمال فى قوله تعالى ( إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ،وترجون من الله مالاترجون)

فالحياة التى قدمها الشهيد راضياً بل ساعياً ، هى نفس الحياة التى يحرص عليها الجانى.. ويصير فى ألم الرعب والفزع من فقدها

والاختلاف هو قيمة البضاعة النفيسة التى يقدمها الأول، وينقذ بها ملايين آخرين... ويحرص الآخر عليها رغم وضاعتها، فيقتل الملايين ليحافظ عليها

إن أهل كل شهيد وجريح لا ينبغى أن يتركوا النار تأكل قلبهم ، وهو أمر رغما عنهم، و ليعلموا أن النار التى تلسعهم لهى تقض مضجع الجانى، وتؤرق مجلسه، وتفزع ممشاه

ف الأمن الذى جعل سيدنا عمر بن الخطاب ينام تحت شجرة هو الأمن الذى حرم منه الضابط القاتل ... وقد لا ينعم به حتى بين حرسه وسلاحه

ف الجانى الذى لا ينام الا وسلاحه تحت وسادته.. لهو فى قرح أشد من قرح المجنى عليه
و الظالم الذى قد يتخلص من حياته عندما يلفظه كرسيه… لهو فى مرض أشد إيلاما من جرح المصاب
و القاتل الذى يحمل سلاحا ليقتل به أبناء وطنه قد يصوب هذا السلاح لرأسه عندما يُسلب منه ، أو يقضى بقية حياته مكتئباً فى عزلة عن الناس

وأقول لكل من فقد شهيداً أو صار جريحاً
لا تفزع ولا تجزع

ألم يقل وقوله الحق (إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله)

إن الضابط القاتل الذى يخفى هويته واسمه ويعيش فى ثكنة لهو فى مصاب وألم ،فيعانى فقده الأمن والأمان،و يسكن فيه الفزع من الانتقام، ويعيش فى كهف الخوف حتى ولو كان بقصر مشيد

يتعاطف الناس مع المجنى عليه مما يخفف من مصابه، ويصبوا جام غضبهم على الجانى مما يزيد من مشاعر الكراهية والحقد تجاههم؛ فيقع صريعا بين الندم والرغبة فى الانتقام ممن يوجهون له اللوم وبين ساديته

إنه عذاب قد يفوق عذاب أهالى الشهداء

البون شاسع بين قرح الجانى، والمجنى عليهم، أوبين القاتل والضحية

ولكن هذا يتحمله نيلا للأجر و الثواب... وذاك لا يطيقه فيتضاعف عليه الألم، ويتقيح القرح

فهذا يحرص على التمكين ليفسد فى الأرض وليس لديه دافعا لتحمل الألم ، وذاك يبتغى النصر فى الدنيا والجنة فى الآخرة، فلا يحرص على حياته ؛ فيقدمها راضيا، أو يتحمل إصابته لأن الدافع يستحق


لا أقلل من حجم المعاناة على الإطلاق، وأعلم إنها نار لن يخمدها إلا القصاص، ولكن عدل رب هذا الكون جل وعلا شأنه


فإلى أهل كل شهيد، وكل مصاب

طببوا جرحكم..
وضمدوا قرحكم..
وكفكفوا دمعكم
فإن مصابهم لهو أشد من مصابكم
فإن كنتم تألمون فإنهم مثلكم
ومن يدرى عظم أجركم
إن نزف جرحكم ..
فغدا ستُشفى قلوبكم
من يشفى غير ربكم
فله ارفعوا أكفكم
يقتص لشهدائكم
ولعنته على عدوكم
ف بين يديه لقاؤكم

طاب منامكم
ولا نامت أعين الجبناء

الخميس، 9 يونيو 2011

شرفتى .. وزائر الفجر


غالبا....أصلى فجرى قبل نومى ؛ لأننى من الأشخاص الذين لا يستغرقون بسهولة فى نومهم..فكان ذلك عهدهم

وإن نمت قبل الفجر ثم استيقظت للصلاة..فمن المستحيل أن يعود النوم لجفونى بعد أن غادرها..

قبل أن أتوسد فراشى لابد أن أُخرج من غرفتى ساعة الحائط رغم أنها لا تدق، فلا أستطع النوم من صوت عقاربها الرتيب..ولم تناسبنى الرقمية لإضائتها

أطفئ الأنوار كلها ..أغلق الباب فلابد أن يجتمع ثلاثية الهدوء، والظلام، والتوحد

إنهم ساعتين قبل الصباح ،لليوم زاد، وللعمل عتاد

أقسم على النوم أن يأتى سريعا ..أغلق جفونى ..أعد من واحد إلى عشرة...قد أتجاوز المئة

وهاهو بدأ يتهادى...غفوة..وسن..ثم..........

انتفض فجأة لصوته..

ألعنه فى صمت..يتمادى
أتمتم بغضب..يتعالى..
أعلن غضبى.. بعد أن فرّ نومى

هل أهدم شرفتى التى استحل الوقوف عليها..أم أرحل وأترك له الشرفة بملحقاتها؟ أم أضع له كميناً وعندئذ ...

سيناريو شبه يومىّ يتكرر

لم يعدل هو عن فعلته..ولم أتأقلم أنا مع زيارته

أفقد صوابى فى الصباح قد أرد على هاتفى فى حدة ..أصيح فى وجه الجميع..أتأخر عن موعدى..يتملكنى الصداع طيلة اليوم..لم أنفذ إلا القليل من برامج أجندتى

أُرجع كل ذلك- للعصفور- الذى يتعمدنى بالقلق، ويتوعدنى بالاستمرار

أصب عليه جام غضبى طيلة اليوم...أكيل له اللعنات..أتمنى له الرحيل أو.. الموت

أنتظره أحيانا حتى يفرغ من أنشودته، أو هكذا يتصورها، ثم أخلد للنوم، وسرعان ما أستيقظ قبل ساعة على دقات المحمول

أظل طيلة اليوم أكيل له لعناتي..وأُرجع إخفاقى فى أى شىء له ..

وجاء يوم انتهيت سريعاً من طقوسى ،وأسلمت رأسى لوسادتى لأنام..فلم يأتني النوم

..فانتظرته حتى يفرغ من إنشودته فلم يأت ..وعلا رنين الخلوى .. وأنا أنتظره، ولم يأت

ظللت طيلة اليوم أتساءل لماذا لم يأت، وتكرر الحال فى اليوم التالى فلم يأت هو..ولم يأت نومى سريعا كما كنت أتوقع

وأتى الصباح .. وكنت أشد توترا من ذى قبل، فالقلق لم يختف، بل بت أفكر لماذا لم يأت العصفور!

ربما غير وعده.. ويأتينى وقتا آخر ليقلق نومى

وأتى الغد وبعد الغد.. وانتظرته فلم يأت

وبات تفكيرى ساخرا لى إلى حد ما

أى عصفور هذا الذى أفكر فيه؟
ألم يكن يؤرقنى، وكنت أكرهه
ألم أتمنى أن يذهب بلا رجعة

وغاب العصفور .....

ولم يغب القلق..وكأنهما اتفقا على أن يغادرانى معا أى" النوم والعصفور"

بل صرت أغفو قرابة الصبح، وكثيرا ما أتأخر عن موعدى
وكأن هذا العصفوركان ينبهنى ألا أغفو
وكأنه يحيينى تحية الصباح بأنشودته التى لم أرها هكذا
وكأنه يعلن لى صباح جديد ، ويستنهضنى ليوم حافل بالعمل مع صوته المفعم بالأمل

وبعدما تفكرت فى هذه الفترة الذى كان يغرد فيها العصفور .....وجدت أننى كنت فى نعمة... لم أرها هكذا

فهناك من يقلق من نومه بسبب ألم يسببه له مرض عضال
وهناك من يفزع من هجوعه بسبب أمن افتقده
وهناك من ينام بين القبور أو الزمور
وهناك من لا ينام لأنه يفتقد المأوى

لم تكن شكواى من العصفور مجرد تفاهة، بل رأيتها بعد ذلك بطرا

فاختيار العصفور لشرفتى كان منصة يُعلن حقه فى الحياة عليها ، ويُعلمنى بالحياة التى قد يكون صوته أحد معالمها

كما وجدت أننا لابد أن نتقبل أى صنيع يفعله الآخرون معنا، ونشكرهم

فقد يكونون يبذلون أقصى ما عندهم، فى حين أننا نرى صنيعهم تطفلا أو إزعاجا

فقد ظن العصفور الأعجم أنه يؤدى لى خدمة ،وكانت أقصى ما لديه.. بينما كنت ألعنه

كانت تجربة العصفور تجربة ساخرة بسيطة ، ولكنها علمتنى الكثير

علمتنى ..أن أشكر وأمتن لكل من قدم لى شيئا... حتى ولو كانت مكالمة فى منتصف الليل توقظنى من نومى

علمتنى.. أن أرى ما يقدمه لى الآخرون على أنه أقصى ما يمكن تقديمه ، حتى ولو أنا لست بحاجة له... فهذا ما لديهم

علمتنى.. أن كل ميسر لما خلق له، فلا تحقر من عمل بسيط لشخص يسعد به، ويرى أنه يقدم شيئا عظيماً

علمتنى.. أننى ربما أكون اليوم فى نعمة لا أفطن لها إلا بعد زوالها ..وقد يكون مؤرق اليوم هو ذكرى الغد

علمتنى.. أن النعمة قد ترتدى رداءً لا يظهر محاسنها ، والبصر لا يرى إلا الخارج ،أما الباطن فقد يحتاج للبصيرة


لا تنزعج من طفلك الذى يبكى

ولا تتأفف من مهموم يشكى

لا تتململ من جارك الذى يثرثر

ولا تتألم من أب ينهر وأم تزجر

لا تحزن من صديق عنك مشغول

أو تهمل عملا لم يلق لديك قبول



فكلهم "عصفور" يغرد على شرفتك...ستنزعج أكثر عندما يختفى أحدهم




الاثنين، 6 يونيو 2011

رحلة الشتاء والصيف



أرضُ الله لمن فى الأرض رحباء..

فحل وارتحل فربك فى أنحاء الكون سواء

فاتق الله حيثما كنت جهراً وفى السراء

وكن عنواناً لوطنك فإن الوطن له سفراء


قد يضيق بك العيش فتضطرك الظروف لتسعى وراءه فى مكان آخر ..فأرض الله واسعة

قد تحاصر فى وطنك..تحارب فى رزقك؛ فتفر إلى مأمن ..فأرض الله واسعة

قد ترغب فى نشر علمك...أوطلبه ..أو تلحق بمن فارقوك من الأحبة..فأرض الله واسعة

يقول الله سبحانه وتعالى (يا عبادى الذين آمنوا إن أرضى واسعة فإيّاى فاعبدون)

فالله عز وجل قد وصف أرضه بالسعة

فلا تضيق عل نفسك المكان

ولا تضيق على نفسك الرزق

ولا تضيق على نفسك الفكر

هذه ليست دعوة للسفر، أو الهروب

ولكنها كلمة موجهه لكل مسافر، وكل مضطر، وكل مغترب مهموم بأمر الوطن، وكل حزين لم يشهد تغيير التاريخ

وإن رحلت لأرض الله الواسعة بحثا عن الرزق، أو طلباً للعلم فاصطحب معك كل قيمك، وانتقى من سلوكياتك ما يليق بصحبتك .

دعونا نتصارح ….فنحن لدينا كماً من الأمثال الشعبية البالية التى تعكس ثقافة غريبة لا تليق بأى شعب متحضر

(من خرج من داره قلَ مقداره)

والحقيقة أن ليس الخروج من الدار هو من يقلل من مقدار المرء , وإنما تصرفاته وسلوكه هما السبب المباشر فى رفعة قدره , ومقداره , أو العكس

والمثل الدارج الذى يقول

البلد اللى محدش يعرفك فيها امشى (.....)

جعل القلة يلوثون من ثوب يتبارى الآخرون فى جعله يحتفظ بلون أبيض، ويهلهلون ما يرتقه الآخرون

والعكس أن البلد التى لا يعرفك فيها أحداً عليك أن تبذل قصارى جهدك؛ لكى يعرفوك معرفة صحيحة

أما أن نتصرف تصرفات مشينة بدعوى أننا لسنا فى وطننا فساء ما نحن فاعلون..ولن نلوم إلا أنفسنا

لا تنتظرحكومة تدافع عن مواطينها ؛ فالعصر البائد لم يترك لنا تاريخا نعتمد عليه ..ولاتنتظر سفارة تنتفض لرعاياها؛ فالكل غارق فى هموم الوطن بالداخل فى مرحلة شديدة الخطورة..كل منا لا يملك إلا شخصه ؛ ليكون عليه شاهداً ونصيراً

وحياة المصرى فى الخارج شبه مفقودة , ووعيه ينحيه جانبا, وثقافته ثقافة استهلاكية بحته.. ينتهج فيها مبدأ (المخزون خير وأبقى ) فسفره عبارةعن رحلتين هما ...

رحلة الشتاء والصيف

ففى الشتاء يقبع فى غربته منتهجاً مبدأ النمل فى التخزين والتوفير، ولكن بشكل عكسى.. يكدس الحقائب التى قد تكتظ بأشياء ليس له فيها حاجة

وفى الصيف يذهب لوطنه ليفرغ حقائبه، ومازال هناك مخزوناً منذ سنين لا يستعمله , وينتظر استخدامه ريثما يعود

هذه الثقافة الاستهلاكية التى أرى أنها تخرج الإنسان من كيوننته ..وتنزعه من الحياة نزعاً ..فيتفرغ للجمع والطرح ..وتتحول حياته إلى أعداد..ويصبح آلة ميكانيكية

آن الآوان لكل هذا أن يتغير،أو.....يختفى

فالثورة كما كانت ثورة تاريخ، لابد أن تكون ثورة أخلاق وقيم

فإما أن نثور على بعض أخلاقيات قلة وندفعهم لتغييرها ، أو نتحلى بأخلاق ثورة كانت لنا دعماً وسراجاً

ولنجعل رحلة الغربة ..رحلة تغيير
رحلة سفير
ينقل ثقافة.. ويرسى قيم..وينثر عبير

الاثنين، 30 مايو 2011

لا تنقضوا غزلكم....





ماذا نحن فاعلون

بسفينة ربانها غائب

وملاحوها يتناحرون

وطاقمها يختصمون

وركابها يتشاجرون

تبحر السفينة ، بينما القراصنة بهم متربصون

الركاب كثير منهم من يرتدى ثوبا مرقعا ، أو لا يجد ما يرتديه، أويرتق ثوبا باليا لا يجدى معه صنعا

فمن يبحث عن ورقة توت، ومن يبحث عن مغزل، ومن يملك المغزل، ولا يجد الغزل

الجميع ينتظر أوعية، أو على الأقل ما يستر به نفسه

وهذا يملك مخيط ، ولا يملك خيط

هذا يشرع فى نسج ثوب، فإذا بآخر ينقض ما غزله

دعونا نصل للشاطئ حتى تجتمع كل الأدوات، ونمتلك جميع المعطيات

أحزننى حتى الوجع..وأقلقنى حتى الفزع ما يحدث بين أبناء مصر من فرقة ..بفعل كاره أو عدو أو فاسد

فالسفينة تعج بأصوات المتشاحنين
فهذا لشعارٍ يهلل
وذاك لنظريته يعلل
وآخر لإنجازٍ يقلل

وبين كل ذلك مستقبل طفل صنعنا الثورة لأجله ..والآن نلفه بالغموض

أليست هذه حماقة أن نخرق السفينة؛ فيغرق الجميع بما فيها من ثائرٍ وجائرٍ

إنها فوضوية العمل، بعد رتابة الكسل

إن المرحلة الحالية تحتاج منا إلى حكمة العقلاء، وإخلاص الأوفياء، وورع الأتقياء

تحتاج أن نثبت أننا لمصر محبين، ولأرضها منتمين، وفى نهضتها مشاركين ، مسلمين ومسيحيين

لا نزايد على حب هذا الوطن الذى لطالما رأى منا غُبناً وجبناً

وعلينا ألا نخون ..ولا نهون
فكيف لوطن قدم مئات الشهداء أن نخون أبناءه..وكيف لأبناءٍ قدموا بصرهم أوغيره أن نهون من عطائهم

نرفض الشماتة من الأعداء ، والوصاية من الأشقاء، والنصيحة من الجهلاء

جميعنا يعشق هذا التراب الذى وارى مئات الشهداء ليحرروا ملايين المستعبدين

وأيّم الله ...إن هذا الشعب قد أظهر أيام الثورة أخلاقاً ومواقفاً يسطرها التاريخ

فرغيف الخبز تقاسمه المسلم والمسيحى، وشربة الماء تشاركها الغنى والفقير، ولحظة الانتصار شعر بها الكهل والرضيع

إن هذا الدم الذى سال على أرض هذا الوطن فخضب ثراه له حرمة تستوجب منا احتراما وإجلالا

فلا مصالح غير مصلحة الوطن، ولا شعار غير رفعة الوطن، ولا عملا إلا من أجل الوطن

الوطن الذى علينا أن نربيه فى نفوس أبنائنا.. قبل أن نربى عليه أجسادهم

الوطن الذى لم ننثرمعناه بذورا ..ولم نؤصل قيمه جذورا

لم أستطع أن أبلور لهم ما حدث إلا فى قصة بسيطة عليهم أن يتموا نهايتها باعتبارهم المستقبل الذى صنعنا الثورة من أجله


يحكى التاريخ الحديث الذى سوف يصير قديما

قصة أقوام بين بائس.. وراضٍ.. وعظيما

تقطر دماءهم حبا لوطن لم يقدموا له إلا شجن وترانيما

فملك غاصب يحكمهم، وفقر مدقع يقتلهم، وثوب مرقع يسترهم

فمل القوم عيشتهم، وقطع العزم حيرتهم وعزموا صنع ثورتهم

فما نجحت.. ولا فلحوا.. إلا بعمل له كدحوا ، ومحبة لها فسحوا

فلا عرق.. ولا فرق.. ولاملة ..ف يد الله مع الجمع، دون القلة

فعاد الحق لهم بشرى ..وكتب الله لهم نصرا ...وذلل بإيمانهم عسرا

ولم يلبث إذ الجانى..فجاء بجرم وأعوانِ.. يفرق بين إخوانى

فصرنا كمن نقضت غزلها بعد قوة..فمن تغريدنا فى سربٍ ..لسقوطنا فى هوة

فهذا يدير دفتنا إلى المشرق..وذاك يودها تبحر إلى طبرق..وهذا دسيس قد لها يخرق


..

وحين ذكرت الخرق فزعت.. وكأنما المياه تسربت للسفينة ..فما كانت إلا موجة لطمتنى

فوجدت أننى ما زلت فى عرض البحر ،والشاطىء ليس ببعيد ، وأصبح يقترب

ولكنها... السفينة

تتعثر أو..... لعلها تتهادى

فهل ستستمر فى الإبحار زمان.... أم سترسو قريبا على بر الأمان؟؟

الأحد، 8 مايو 2011

أيتها الأعواد لا تتفرقى آحادا


جميعنا نذكر قصة درسناها بينما كنا صغارا ،وعلى ما أذكر كانت تسمى الاتحاد قوة ، وتحكى عن رجل لديه أبناء أراد أن يلقنهم درساً، فأمرهم بإحضار حزمة من الأعواد الرفيعة وناولها لكلٍ منهم، وأمرهم بكسرها فلم يتمكنوا، ففرق الأب حزمة الأعواد على أبنائه وناول كلا منهم عودا ، فكسره بسهولة ، وهنا قال الأب لأبنائه إنكم باتحادكم تكونوا مثل هذه الحزمة من الأعواد لن يستطيع أحدا أن ينال منكم

وانتهت القصة كما بدأت بأن فى الاتحاد قوة وببيتين من الشعر لازلت أذكرهما

كونوا جميعا يا بني إذا اعتـرى خطب ولا تتفرقـــــوا آحادا
تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا وإذا افترقن تكسرت أفرادا

لم أذكر أن هناك من المدرسين من أسقط هذه القصة على واقعنا، ولم يشرح لنا قيمة الاتحاد بشكل أوسع وأعمق، ولم يزرع فى عقولنا ونفوسنا الفكرة
ربما كانت التعليمات، وربما كان الخوف من الخوض فى التعليم، فقد كان النظام يريد جيلا واهيا وليس واعيا، يعلم أقل القليل ؛ حتى لا ينضح ما تعلمه على شخصه وبيئته ومجتمعه

وإن كان الماضى خشى أن نجتمع ، بل والماضى القريب خطط لفرقة أبناء الوطن الواحد، فإن الحاضر قد جمع أبناء الوطن الواحد ، والمستقبل يبشر باجتماع الأوطان كلها

فقد أيقظت الشرارة التونسية المصريين، وسرعان ما اتجهت لليبيا ،وغدا ستلهب باقى الأوطان لتطهرها من رجس حاكميها ،وترد الكرامة لقاطنيها

فبالأمس قد رحل طاغية،و اليوم رحل آخر، وغدا سينتهى آخرون ، ومع الغد يسطع نور الحرية على الوطن العربى بأكمله ، وبل ويشع بنوره على العالم كما كان فى السابق

لسنا أقل من الاتحاد الأوروبي الذي استطاع رغم تعدد لغاته ،واختلاف اقتصادياته بناء كيان قوى يعتمد على اقتصاد واحد، وعملة موحدة، وقرارات اقتصادية واحدة ؛ فأصبح له سياسة زراعية واقتصادية مشتركة...إضافة إلى الاتحاد السياسي والعسكري ، والدفاع المشترك، وما إلى آخره ، حتى قيل أن الاتحاد الأوروبى بات سلاحا فى يد أوروبا تساعد به من تشاء، وتدمر به من تشاء

لن ندمر ولكننا سنبنى لنا ،ونساعد غيرنا على البناء .. فالعرب كانوا منارة للعالم فى وقت كانت أوروبا تقبع فى غياهب الظلمات
فنحن نملك مقومات مثل وحدة اللغة، ووحدة التراث، والترابط الثقافي والفكري، والتى لم تتوفر للاتحاد الأوروبى

حينما شعرت دول غرب أوروبا بخطر الاتحاد السوفيتي عليها هرعت إلى التعاون مع الولايات المتحدة الأميركية وتكوين حلف الناتو، حيث كان من بين أهدافه التصدي لأي تهديدات أمنية، وحفظ الأمن والحماية للدول الأعضاء بصرف النظر عن هدف الناتو الذى يدعيه لحماية دول العالم

ألا يجدر بنا الأمر والخطر يحدق بنا من الشرق والغرب، والعدو يأتينا من كل صوب وحدب.. ألا يدعونا هذا إلى تكوين حلف، أو اتحاد عسكرى يحمينا جميعا

لن نبدأ بعدوان فالمسلم لا يعتدى، ولكن لنرد الظالم ونحمى المظلوم، جيش يضم العرب من الخليج العربى شرقا إلى المحيط الأطلسى غربا

نعم...حان الوقت وعلينا أن نشمر عن ساعدينا

فلماذا لا نسعى لوحدة الأرض العربية التى اشتركت فيها وحدة التاريخ فجميعنا تعرضنا لنفس الأحداث التاريخية التى تساعدنا على توحيد تطلعاتنا المستقبلية نحو وحدة عربية ، بل أن تراثنا الحضارى قد جعل لنا هوية ثقافية مميزة نجتمع تحت رايتها

لماذا لا نسعى لوحدة عربية... فبينما قد توحد الزعماء فى الطغيان، وقمع شعوبهم.. توحدنا نحن فى الآلام والآمال

لماذا لا نسعى لوحدة عربية ... فالنضال يوحد المتشرذمين، والأمل يلم المتبعثرين والألم يجمع المكلوميين ،وكل هؤلاء تجمعهم راية واحدة اللغة والدم والتاريخ والأرض
فاشتراكنا فى الدافع يمهد لنا وحدتنا فى الناتج

وإذا كان حلم الحرية للأوطان بعيد المنال ثم أصبح واقعا لا محال..فمن حق حلم الوحدة أن يخرج فى الحال
كفانا حلما..دعوننا نعمل من أجل وطن واحد ..جيش واحد...سوق عربية واحدة ..عملة موحدة..اقتصاد عالمى

فلا حدود..ولا تأشيرة..ولا بلد غنية وأخرى فقيرة..لا مساحة كبيرة وأخرى صغيرة

فهذا يفيض بدلوه على آخر..وهذا مياهه تروى قفرا فتنبت قمحاً ..يطحن فى الشرق..ويعجن فى الجنوب..ويأكله المغاربة

إنه رغيف تقاسمنا زراعته..وتشاركنا لقمته

حلم راودنا طويلا..وآن الآوان ليصبح واقعا جميلا

تُرى هل سيدرس أبناؤنا غدا قصة وحدة الوطن العربى..كما درسنا نحن بالأمس قصة الاتحاد قوة..أم سنظل نسرد فى قصص، ونروى حكايات؟؟

لا..لن ندع الحلم كما هو..فمن حقه أن يولد كما ولدت حريتنا ..وسنزرع نبتة الوحدة ..فإن لم نلحق موسم الحصاد ....لحقه أبناؤنا

فلربما وقف ابنى ليهتف بما سطرته أمه قائلا ....هذه كلمات من شهدت ثورة وطن ..ولم تشهد وحدة الأوطان


هلموا يا بنى وطنى.... بلاد العُرب أوطانى

لن نبكى كما الأمس، ونلعن حلكة الدرب.. ونشكو بذل وهوانِ

فلا حدّ يفرقنا ..ولا قوة تشرذمنا ..ولن نعجز من الآنِ

فلغة الضاد تجمعنا ..وأرض حرة مسجدنا..دماء الوحدة ف شريانى

فمن قطرٍ إلى مصرٍ .. غربنا نحو مغربنا .. جنحنا إلى سودانِ

عجلنا خطانا لأقصانا..رفعنا صوت آذانِ..فجاء القاصى والدانى

توحدنا..وعين الله تحرسنا.. تسلحنا.. بعلمِ ...بقوة ..بإيمانِ

فصار النصر رايتنا.. وعزتنا فى وحدتنا..فكل العُرب إخوانى


الخميس، 28 أبريل 2011

من أجلك أنت


عندما تفقد الإخلاص يصبح العمل سخرة

عندما تفقد الإيمان يصبح العيش كدرا

عندما تفقد الانتماء .. تصبح الدار غربة

عندما تفقد الأمل تصبح الحياة لغزاً ..والمستقبل مجهولا

عندما تفقد الهوية يصبح الكيان ضائعاً، والشخصية مطموسة

لا تفقد إخلاصك فى العمل حتى يصبح عملك متعة وعبادة

لا تفقد هويتك حتى تصبح لوطنك قلادة

لا تفقد إيمانك حتى يصبح عيشك جهادا

لا تفقد انتماءك حتى يظل قلبك بالحب فياضا

لا تفقد الابتسامة حتى تكون فى حياتك سعادة

إذا خرجت من وطن صغير فاحمل معك كل معانى الأمل..وكل مفردات الانتماء..وكل أنواع الإخلاص..

إن حياة الإنسان يستطيع أن يجعلها مجموع لمفردات جميلة... أو معانِ بغيضة

يستطيع أن يحولها من ركود اليأس إلى طاقة الأمل

ينتظر الشروق عندما يتسلل الغروب ؛ فيرى فى هذا ذهاب الألم ...ويرى فى ذاك انتظار الأمل

جميعنا الفقير والثرى, المريض والعفىّ, القريب والقصىّ , الضعيف والقوى

نحتاج لهذه المفردات فى معجم حياتنا

نحتاج لما تحملها من معانٍ لتطبيقها فى واقعنا

نحتاج لله سبحانه وتعالى فى الشدة و الرخاء..فى الراحة والعناء.. .فى الغربة والوطن..فى الفرج والمحن

فى المحن نلجأ لله
وفى الغربة نستأنس بالله
فى الوطن نستعين بالله
وفى الرخاء نشكر الله

إن حياة الإنسان بلا هدف..كالمفردات بلا معانٍ..كالمستقبل بلا أمانى..

فالحياة تستحق أن تضع لها هدفاً..

وأنت تستحق أن تجعل لحياتك هدفا.. ومعنىً.. وقيمة

فقد صنعت حضارة ...واليوم تبنى المستقبل..

أنت تستحق أن تفعل كثيرا من أجل أن تصبح... أفضل كثيراً

الخميس، 14 أبريل 2011

وجهان




وتشكو العملة من جشع البشر
تلهث من أجلى وتّدعى أننى سبب الكدر
تنعتنى بأننى ملعونة ولى وجهان
وأنت تلبس أقنعة يعلوها ألوان
فمن يحمل فى هذا الزمن وجه فقد ندر
ومن يحمل أكثر من وجه .....فهو إنسان


نعم..أصبح للإنسان أكثر من وجه

فوجه تكسب به الناس

ووجه تكسب به المال

وقد يكون هناك ثالث ترى به نفسك محنكاً فطناً ،فتقع فى وهم أن وجهيك هما دبلوماسية...قتقتنع بالأوجه الثلاثة

كانت الازدواجية ذى قبل مرضاً يعانى منه المجتمع، ثم تعددت الوجوه بدلا من وجهين

فالناس تريد وجهاً

والمال يريد وجهاً

والسياسة تريد وجهاً

والله عز وجلا لا تلزمه هذه الأوجه، ويريد وجهاً خالصاً له وحده

فهذا يجلس مع الناس فيلعن المال، ويدعى أنه سبب الكوارث، ويقتل المودة قبل صاحبها ،ويحمد الله على نعمة الستر والصحة ،وكفاه إياهما...
ثم يلهث لهثا وراء المال ويجعله هدفاً ...ويتخذ السياسة وسيلة لجمعه؛ فيخدع الناس، ويرائى الله
ويذهب بعد ذلك بوجه ليقابل الله تعالى فى عمرة أو حجة بوجه يدعى البراءة، ويطلب التوبة ،و لم يتب، يطلب المغفرة، ويتصنع البكاء ،و مازال يلتحف الرياء

وقد يكفيك إخلاصك بوجه لله تعالى الأوجه السابقة.. فتعامل الناس بوجه خالص لله تعالى.. وتكسب مالا حلالا بشرعه ..وتطبق الشورى الحق فتكون سياسيا

فبداية من الأسرة التى يتحدث ربها عن التربية ،والتنشأة الصحيحة فى حوار مع أبنائه يمارس سلطويته، وقد يرفع يده
والدولة التى تتحدث عن الديمقراطية، وتقمع معارضيها، وتزج بهم فى السجون
وصاحب الدين الذى يتضرع الى الله ليلا، ويرتاد بيوته نهارا. يرفض أن يعطى أخته حقها فى الإرث ، أو يظلم زوجته، أو يغش فى تجارته

فإذا رأيته اليوم متتفخ الأوداج مدعيا أنه لا يخشى فى الله لومة لائم لمن قد لا يوافق هواه ومصالحه.. تجده غدا لنفس الشخص منفرج الأسارير إذا ما توافقت المصالح والأهواء مدعيا أن المؤمن لينا هشا

قد يقترض ويكون قرضه حينذاك قرضا حسنا.. وإذا أقرض حدث مقرضه كل حين عن هم الدين ورد الأمانة

ورد فى الأثر أن رجلا أراد أن يضمن أحد الناس فقال له عمر رضى الله عنه (فأنت جاره الذي يعرف مدخله ومخرجه؟ قال الرجل لا ! فقال عمر: فهل سافرت معه ؟ فقال الرجل: لا ، فقال عمر: فهل تعاملت معه بالدرهم والدينار؟ قال : لا ، قال فاذهب فإنك لا تعرفه)

فاليوم تجد الجار يرتاد المساجد فتشهد له بالتقوى، ومع ذلك قد تتلق أنت أو غيرك أذى منه
وقد تعاشر صديقا سنين، وما أن جمعتكما الغربة تجده انقلب على عقبيه، وأصبح آخر
وتزعم معرفتك اللصيقة بقريب أو خليل، وما أن تعاملت معه بالدرهم.. حتى تجده شخصا آخر
وكأن الأمانة تنفصل عن الدين... فعبادته لله تعالى بلورها فى مظهر وعبادات فقط بينما "الدين المعاملة"

فالتعاملات هى المحك الذى يسقط قناع الدين أو الوطنية

ما أيسر أن تردد هتافا.. أو تدعى عنترية
أن ترفع شعاراً أو تزعم انتماء ووطنية
أن تطلق لحية ، وتلازمك مسبحة ومصلية

وأنت بين كل ذلك ليس لك إلا نفسك ومصالحك الشخصية

والعجب كله فى أن المجتمع أصبح لا يرى غضاضة، ولاينكر ذلك، بل أصبح حقيقة وواقع

فنجد أن فلانا بالرغم من عورٍ خلقه إلا أنه متفوق فى عمله، أو العكس ولا إنكار ولا استنكار بين وجه المرء فى عمله ،وفى بيته

والدراما تعرض لتاجر المخدرات المتدين، أو الزوج المحب الخائن، اللص الشهم، وكأنه إقرار بقبول نماذج مريضة

تكوين عجيب وتشكيل أعجب لمجتمع أصبح يضم نماذج مريضة ، آن الآوان أن يتغير كل هذا.. ونتخلص من أوبئة توطنت، ووجوه تلونت

قيل أن السفر سمى سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال، ويبدو أن فى الماضى كان الرجال على سجيتهم وفطرتهم، فربما من كان يرتدى قناعا يتحلل منه عند السفر
أما اليوم فالسفر ربما يكون له قناعا مختلف كما يريده من سترحل إليه

وربما تحلل من سافر من شرقيته وعاداته فى بلد أوربى، وارتدى الجينز تناول البورجر، وفى آخر أطلق لحية ، وتمسك بأعراف البلد بدعوى التدين

إنها الوجوه أو الأقنعة التى أصبحت كالملابس ، يسهل وضعها و خلعها، لصقها ونزعها

لكنها الدنيا والبشر كلاهما يلعب مع الآخر

ويعتقد كلاهما أنه الغالب... والحقيقة أن كليهما مغلوب

فالدنيا قد تدير وجهها للاهث ورائها يزعم الزهد

لماذا يصعب علينا أن نفعل ما نقوله.. وألا ندعى ما لا نعلمه

نفكر بلغة ،ونتحدث بأخرى..
نؤمن بثقافة، ونمارس أخرى.. نردد شعارا، ونطبق آخر...
نعلن تصريحات، ونبطن عكسها ،وننفذ أخرى

أليس من الأسهل أن تخلع أقنعتك ويكفيك وجها واحدا تقابل به الله.. والناس ..وتواجه به نفسك

لتكن ...لغة واحدة .. حُلة واحدة. . وجه واحد ... من أجلك .. ومن أجل الناس . .ومن أجل الواحد الأحد

وصاحب وجه واحد لذو خلق وذو دين
يتخلى عن وجه لن يكون إلا قرين
فذو الوجهين لاريب خوان أثيم
تراه اليوم فى حال وفى الغد ترى لئيم
فاظفر بوجه تفوز برضا رب العالمين
واهجر أقنعة لن يرضى عنها إلا مراءٍ ذميم
فوجه واحد لشخص واحد لإله واحد كريم


الخميس، 7 أبريل 2011

الخالدون مائة... والعظيم واحد

يقول الشاعر...


كم مات قومٌ وما ماتت مكارمهم‏

وعاش قومٌ وهم في الناسِ أموات‏


فالخلود فى اللغة هو الدوام أو البقاء، وخلود الإنسان ليس دوام شخصه بالتأكيد، بل دوام ذكره قد يكون تخليد ذكر الشخص لمناقبه ،أو مثالبه

كتاب " الخالدون مائة وأعظمهم محمد" من أشهر الكتب المترجمة فى الفترة الأخيرة ، وقد ترجم إلى 15 لغة، ووصلت مبيعاته إلى أكثر من 5 مليون نسخة

تحدث فيه الكاتب بشكل سردى ونمطى إلى حد ما عن مائة شخصية على مر العصور ممن خلد التاريخ ذكرهم،بصرف النظر عن رؤيتى لهذه الشخصيات

مؤلف الكتاب "مايكل هارت " وهو فيزيائى فلكى حصل على شهادات فى العلوم، والفلك، والرياضيات يعمل فى هيئة الفضاء الأميريكية، ويعشق دراسة التاريخ

كانت هذه معلومات كتاب الخالدون مائة، ومن من عادتى قبل أن أقرأ كتابا أتصفحه، فإما وجدته يستحق القراءة ؛ فأعود لبدايته لأقرأه عن شغف، وأجد فيه من المتعة بقدر ما أجد من الإفادة وإما أجده كتاباً يخلو من المتعة وربما الإفادة ، ولكن يدفعنى إليه الاطّلاع ، والمعرفة ولو عن شمول، وليس خصوص

ولكن مع هذا الكتاب الذى آثار اهتمام الغرب والعرب معاً وجدت أننى لابد من أن أطلع بشغف، وأن استقرأ بوعى بعيدا عن المتعة، وأن أحاول التجرد من مشاعر غالبتنى منذ قراءتى للكتاب ، حتى أتمكن من رصد ما له، وما عليه

فالرجل ليس أديباً ولا باحثاُ إسلاميا، وإنما هو ينتمى لعالم الأرقام والمعادلات و1+1=2

وسأبدأ بما له وما ورد فى الكتاب من حقائق وثقّها كاتب ليس مسلم ولا عربى، مع العلم إنه ليس أول غربى تناول شخص وحياة أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام

فقد تناول الكثير من المستشرقين المنصفين شخصية رسولنا الكريم" محمد "عليه الصلاة والسلام، وهذا إقرار منهم بدور الرسالة المحمدية فى بناء الحضارة الغربية التى لطالما غرقت فى عصور مظلمة قبل الإسلام
ونحتاج لكتب حتى نجمع فيها كل ما قيل عن رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام،
فعلى سبيل المثال وليس الحصر

يقول" وليام موير" المؤرخ الإنجليزي فيقول في كتابه (حياة محمد): (لقد امتاز محمد عليه السلام بوضوح كلامه، ويسر دينه، وقد أتم من الأعمال ما يدهش العقول، ولم يعهد التاريخ مصلحًا أيقظ النفوس وأحيى الأخلاق ،ورفع شأن الفضيلة في زمن قصير كما فعل نبي الإسلام محمد)

ويقول "توماس كارليل" : (قرأت حياة رسول الإسلام جيدًا مرات ومرات، فلم أجد فيها إلا الخُلُق كما ينبغي أن يكون، وكم ذا تمنيت أن يكون الإسلام هو سبيل العالم).

أما عالم اللاهوت السويسري د."هانز كونج" فيقول : ( بحثت في التاريخ عن مثل أعلى لهذا الإنسان، فوجدته في النبي العربي محمد صلى الله عليه وسلم)

إذاً ف"مايكل هارت" لم يحقق للإسلام نصرا ، ولم ينصف من أنصفه الخالق فإعجاب "مايكل هارت" بشخصية وسيرة محمد عليه الصلاة والسلام ليس بجديد، وتصدره لمائة شخصية من وجهة نظره كان بناءً على مقياس أن يكون الشخص خالدا، ويأتى ترتيبه فى سجل الخالدين بحسب أعماله

فالكاتب يرى أن قيمة الإنسان وخلوده تنبع من عظمة الأثر الذي تركه خلفه، ولذلك فهو يرى أن العظماء والساسة أهم من رجال الفن والأدب والعلم، ومن هنا يرى "مايكل"

أن "محمدا" يستحق أن يكون على قائمة الخالدين للأسباب التالية

* أن التأثير النسبي ل"محمد" على الإسلام كان أكبر من تأثير "عيسى" و تأثير بولس على النصرانية مجتمعيَن.

* أن "محمداً" له تأثير فى التاريخ ،فهو القوة الدافعة وراء الفتوحات العربية ،ويمكن تصنيفه كأشد الناس تأثيرا فى التاريخ

* أن "محمداً" لم يكن قائداً دينياً فحسب (مثل عيسى) ، بل كان أيضاً قائداً في شؤون الدنيا. *

اعتبر "محمدا "من أشد القادة السياسيين تأثيراً في التاريخ ، فالفتوحات العربية في القرن السابع لا زالت تلعب دوراً فعّالاً و مؤثراً في التاريخ البشري ، إلى يومنا هذا.

* أن الجمع بين التأثير الديني و التأثير الدنيوي هو الذي جعله يشعر أن "محمدا"ً يستحق أن يُعتبر أعظم الأفراد تأثيراً في التاريخ.

* الدورالأساسى الذى لعبه "محمد" فى الدعوة إلى الدين الجديد

كانت هذه شهادة "مايكل هارت" الذى قيمها، وبلورها بنظرة عقلية بعيدة عن الإيمان به

وحين يشهد العدو، والكافر به.. فهذا دليل على عظمته

حين يتفق القاصى والدانى.. والطائع والعاصى.. تصبح عظمته بيّنة كشروق الشمس من مشرقها

حين يحتكم كاتب غربى لا يعترف بالإسلام دينا إلى الأدلة العقلية فقط دون النظر للأدلة النقلية.. فهذه وثيقة ودليل على عظمته

إنه عظيم رغم أنف من لا يرى ذلك، إن عظمته حقيقة لا ينكرها إلا جاهل، أعمى، عنيد، حاقد

فليخسأ الكافرون، والمشوهون والطاعنون، وراسمو الرسوم المسيئة فلتخسأ القنوات الفضائية المغرضة، والمواقع الإلكترونية التى لا هم لها إلا النيل من سيرته العطرة

على الصعيد الآخر فما كتبه "مايكل هارت" و"هانز كونج" "ووليام موير" و"لامارتين" وغيرهم لن يزيدنا قناعة، ولا إيماناً بالنبى بعد ما جعله الله خير الخلق، وفضله الله على سائر النبيين وأرسله للعالمين كافة

إن كتاب" الخالدون مائة" لا يمثل لنا وثيقة، ولا يحقق لنا نصرا بعدما نصره الله ...

فلدينا كتاب به وثيقة تقول" وإنك لعلى خلق عظيم"

لدينا كتاب مقدس أنزله رب من سطروا كل هذه الكتب، وجعل نبيه رحمة للعالمين "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"

لدينا كتاب سبق كتاب "مايكل هارت" بقرون يقول لنا "لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة"

وبرغم شهادة "مايكل هارت" فى كتابه التى يعدها البعض رفعة للإسلام ورسوله، إلا إننى أرى سقطات فى كتابه ترجمها "أنيس منصور" دون أى تعليق ، ربما لأمانة النقل

فقد قال "مايكل" أن محمد هو الذى وضع عقيدة الألوهية، والتعاليم والشرائع الأخلاقية فى الإسلام، كما إنه وضع الطقوس التعبدية فى الإسلام
بل كانت السقطة الكبرى حين قال إنه واضع النص الإسلامي المقدس "القرآن" ، وقد وصفه بأنه مجموعة من الإيحاءات التي اعتقد "محمد" أنها أوحيت إليه من الله ، ويقول أن هذه الأفكار التى مثلت أفكار محمد وضعت بعد ذلك فى صورة كتاب ذى سلطة يسمى "القرآن"
وهو بذلك يكون منكرا لمعجزة القرآن، والوحى، والرسالة

له ما يعتقد، من إنكار أو تصديق ، فهذه عظمة الإسلام التى تكفل حرية الاعتقاد لكل شخص،

ولكن أن ننقل اعتقاده، ونصفق، ونهلل له.. متغاضين، أو غافلين.. فتلك مشكلة عظيمة

أما ترتيب القائمة التى رتبها "مايكل هارت" فقد كانت لى عليها مآخذ كثيرة

فقد عجبت من مرتبة "بوذا" التى احتلت المرتبة الرابعة

و ساءنى تقدم "جانكيز خان" القائد المغولى فى المرتبة 21 على مرتبة أمير المؤمنين "عمر بن الخطاب" الذى جاء فى المرتبة 51

واستفزنى" بوذا" الذى جاء فى الترتيب الرابع، وتقدم على ترتيب "موسى " عليه السلام الذى جاء فى المرتبة ال16

أعترض وأرفض صيغة العنوان و" أعظمهم" لأن صيغة أفعل التفضيل تعنى أن هؤلاء المائة عظماء؛ لكن يفوقهم فى العظمة محمد

فكيف تصير الملكة إيزابيلا الأولى التى أنشأ فى عهدها محاكم التفتيش عظيمة ؟

وكيف يصبح نابيلون بونابرت الذى غزا مصر، ودهس مساجدها بالخيول عظيما؟

وكثير ممن تتضمنهم القائمة قد يكون ذكرهم خالدا، ولكن ليس كلهم بعظماء

ومن هنا أقول أن عنوان الكتاب من الأنسب أن يكون "الخالدون مائة..وعظيمهم محمد"

المؤلف مايكل هارت شكرا لكتابك...
ولكنه دليلكم أنتم..... فلدينا كتابنا ،ومرشدنا، ووثائقنا، والتى تحترم عقولنا، وتدعونا للتدبر والتبصر

الخميس، 3 مارس 2011

أدعياء وليسوا زعماء



"ما أكثر العبر وما أقل الاعتبار"

قالها سالفاً الحكماء ... وطبقها حالياً الزعماء

هذا إن جاز أن نطلق لفظ الزعيم على من تزعم شعباً ، وأجاز قتله لمجرد معارضته ، وإبادته طلباً لحريته

فزعماء اليوم ممن زعموا، ولم يتزعموا

ففى زمننا هذا أطلق لفظ الزعيم على من تزعم تشكيلاً عصابياً، أو شرذمة من الصبية ،أو كل من أراد لنفسه قيادة واهية زائفة ..كان زعيما

وبناءً عليه إن افترضنا الزعامة على كل من قاد جمع من الأحرار، أو الشرفاء أو حتى المجرمين.. فلابد أن تأتى تلك الزعامة بقبول ورضا لمن تزعمهم.. فالزعامة لا تكون قسراً ولا قهراً

فإن الزعامة والقيادة لها أصول ومبادئ تعارف عليها البشر منذ بدء الخليقة

ويبدو أن عصرنا ظهرت عبادة أكثر سفهاً من عبادة الأصنام فى عصر الجاهلية ..ألا وهى عبادة الكرسى وهى لا تعرف قيمة وقدرا لمحكوم، ولا تؤمن بحرية المواطن

فقد كان عتبة بن ربيعة زعيم بنى أمية رجلا حكيما حاور الرسول على الصلاة والسلام بالحسنى، وقد أملت زعامته حكمة الحديث وأدباً فى التعامل

وقد كان هاشم بن عبد مناف كبير قبيلة قريش رجلا كريما..عظيم القدر

ولم يرتفع شأن زعماء الجاهلية وعظم قدرهم إلا لأنهم أناس احترموا أفراد قبيلتهم ؛ فاختيروا زعماء برغبة أفراد قبائلهم..حتى صار التاريخ الإسلامى يذكرهم بفضائل الشيّم

ومن هنا كانت زعامة الوطن أشمل ، وأحق باحترام واحتواء للمواطنين ، وليس علاقة تقديس بين حاكم ومحكوم، كما هو سائر فى اغلب الدول العربية

فالوطن ملكية لكل قاطنيه..شراكة حقه..ومسؤولية واجبة

لا يمتلك شخص عن آخر شبراً زائداً من أرضه , ولا حجراً فى هرمه, ولا نقطة من نيله ،ولاذرة فى ترابه

الوطن يمثل العطاء الواسع الفسيح لكل أبنائه بلا تميز، ولا تحيز

فكلنا نمشى فى شوارعه ...ونشرب من نيله...ونتعثر فى طرقاته

كيف يكون الوطن مرتبطاً اسما ومكاناً بشخص ، وكأنه أصبح ملكية خاصة له فقط ؟!

اعرف أن هناك.. حقيبة ريم.......سيارة أحمد...عزبة على

ولكن أن تصير تونس ضيعة لزين العابدين؟؟

ومصر هى مبارك!!!؟؟؟

والقذافى هو المجد وصانع ليبيا؟؟؟

وهكذا ينسب كل رئيس الدولة لنفسه وكأنها صك ملكية من صكوكه التى يمتلكها

إنه الهزل والسخف بعينه..

فهذا يدعى أنه صاحب الضربة الجوية..وقد صارت كاللطمة القوية التى يلطم بها شعبه كلما أراد أن يستقيم، وذاك قائد الثورة الشعبية الذى لا يقبل أن يثور شعبه، بل ويخيل أنها ثورة من أجله وليست ضده

فما أعجب أن تكون حرية الدين والعبادة متاحة للجميع وهو حق منحه الرب للعباد، ولم يسمح العبد لعبد مثله بحق حرية اختياره أو رفضه

إن القذافى لم يستطع أن يقذف فى قلب شعبه الرعب بشتى الطرق، بل قذف الله فى قلبه الرعب فبات كالمجنون أو هو كذلك ؛ فطاح قتلا فى شعبه بكل ما أوتى من قوة، وهو الأضعف جندا

فقد تصور القذافى ومن شابهه أن الوطن مدين له بعمل قد أسداه له وهو من صميم واجبه، وظل جاثما على صدر شعبه من منطلق هذا الدين متصورا والآخرين أن الأوطان لم تكن إلا بهم

وفى واقع الأمر أن الجميع مدين لهذا الوطن، وأنهم لن و لم يكونوا زعماء إلا بوجود تلك الأوطان، والمواطنين التى نصبوهم لتلك الزعامة

لم يعتبر طاغية مصر وكرر نفس سيناريو تونس فكان خروجه أقسى وأمر، وكان انتصار الشعب ملحمة شعبية ،ولم ينظر أعمى البصر والبصيرة فى ليبيا لما حدث فى مصر، وإلى زميل الغث والفساد ، بل ظن نفسه فيلسوفاً محتكماً إلى هراءات وضعها فى كتاب ، مطلاً علينا كل حين فى خطاب أشبه بمشهد كوميدى حتى بات أضحوكة العالم

والعجب أن يكرر كل حاكم نفس المسرحية الهزلية التى قام بإخراجها نظام سابق فى بلد أخرى برغم استعانة المخرجين بكل التقنيات الحديثة فى عالم الإخراج أو القمع إن صح القول، ولإتقان الممثلين للكذب، وبرغم ذلك تفشل المسرحية، ويسقط الجميع، وينتصر الجمهور

وكلٌ يأتى وهو يظن أنه متفردٌ بعبقريته وحنكته فى إدارة ما يسميها بتظاهرة ، منكراً أنها ثورة

أى غباء هذا ..إن الزعامة قيادة وذكاء ..إدارة وأخلاق لا تتوفر لدى هؤلاء الأدعياء

إن الشعب الليبى الصامد منتصر بإرادته، منتصر بشهدائه، وقد زادوهم وزوّدوهم عزماً وقوة

فإن كان رحيل بن على كان مهيناً ، ورحيل مبارك كان مزرياً، سيكون رحيل القذافى عبرة لمن يعتبر

ولا أظن أن بينهم من يعتبر

فصبرا أهل ليبيا

فإن موعدكم مع الحرية قاب قوسين أو أدنى


الخميس، 17 فبراير 2011

أنّات وبسمات فى جنبات الثورة

تهزنى اللحظات الفارقة..
فلحظة الفراق أجدها أليمة..ولحظة اللقاء أجدها عظيمة.. ..ولحظة النصر بالنفس تعلو..ولحظة الهزيمة بها تخبو

كانت لحظة النصر صادمة للبعض، وقاصمة لآخرين ،وفرحةعارمة للمصريين، ولكل من يحب الخير لمصر وأهلها

ومهما كانت اللحظات الفارقة بسيطة إلا إنها تعبر بالنفس من حالة إلى حالة فتهز الشخص، وتعصف بمشاعره

إنها لحظة تفرق بين الذلة والعزة..بين المهانة والكرامة..بين العبودية والحرية لحظة تجسد كل المعانى...تختزل كل الأمانى..تشرق بها الشمس رغم أفولها حينذاك

ولكن حين أفلت شمس السماء، وأشرقت شمس الحرية هتفت نفوسنا إنه ربى إنه أكبر من مبارك ومن نظامه ومن جنوده

إنه هو الذى إن نصرنا فلا غالب له انه هو جلا وعلا وقوله الحق "ولننصرنكم ولو بعد حين"

لم أصدق أننى شهدت تلك اللحظة..بل اعتبرت أننى أقل من أن أشهدها..فلم أقدم لها ما تستحقه وهى... الروح

فهناك أبطالا قدموا أرواحهم فداء للحرية ؛ لنشهدها نحن،
وآخرين أصيبوا بإصابات قد تمنعهم التواصل مع الحياة، لنحيا نحن بحرية فى حياة جديدة، ونبلاء واصلوا الليل بالنهار ، وكانوا كالجندى المجهول

لم أستطع أن أفصل الفرحة عن هذا الشجن الذى اتنانبنى ..فخروجنا للتظاهرات لم يمهلنى الفرصة للتفكير فيمن رحل، ومن سقط
فقد كان كل هدفنا هو إنجاحها ،وبعدما من الله علينا بالنصر كان حزنى على الشهداء يشوب فرحتى كما كان إحساس الذنب يقتلنى
فلم أكن أشعر بانتماء حقيقى لهذا الوطن، لأننى لم أشعر إنه لى، فالنظام بكرهنا له وامتلاكه لهذا الوطن كأنه تكية خاصة قتل فينا معنى الانتماء وحب الوطن، ولكننى شعرت بحب جارف نحو مصر حين كنا نردد اسمها ، وأظن أن مصر تحتاج منى ومن كان فى عقوقى لقربانٍ عظيم حتى تسامحنى

فقد تركتها ثلاثين عاما تنهب، وتسلب، وتغتصب من قبل من لا ينتسب لها

فلماذا صمتنا حتى هلك الزرع وجف الضرع؟
لماذا تركناكِ يا مصرنا الحبيبة كل هذه العقود تعانين، وتذرفين الدمع فى صمت حزناً على عقوقنا؟ فكنا نشاهد ونصمت أو نعترض ونرحل صابين عليها جام غضبنا، وهى الأحق بأن تغضب علينا، وتتبرأ
منا
أتسامحيننا على ما ارتكبناه فى حقك؟؟

ربما يشفع لنا عندك أربعمائة شهيد ... كان هناك منغصات أخرى طيلة أيام الثورة تشعرنى بالحزن والاشمئزاز إن صح القول

فبينما رفعت الثورة مصر عاليا كشفت عن عن سقوط الآخرين، وقد وجدت أن من سقط ربما كان فاسدا من مستفيدى النظام الفاسد.. أو جبان لا يستحق الحياة، وقد لا يقبله الموت.. أوإمعة يفضل الحياة بذل عن الموت بكرامة ،وقد وجدت أن هناك من هو يقف فى المنطقة الرمادية ، ومن يقف متوار ينتظر أن يميل مع هذا أو ذاك

لا أريد أن أتوقف عند هؤلاء فكفى أنهم خسروا إحساسا ممتعا بالانتصار والسعادة وتحقيق الحرية التى قد لا يشعر بها العبيد

فكما رسمت الثورة بسمات طالما غابت عن وجوه اعتلاها الهم، فقد خلفت أنات كنا والآخرون المتسببون فيها ..
لا نريد أن تنسينا البسمات أو تثكلنا الأنات أن الطريق لا زال طويلا ويحتاج للصبر والمثابرة

*كشفت لنا الثورة عن حجم فساد يفوق التصور،لم يفلح معه بعض من قالوا " إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت" وكأن ردهم " اخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون"ف نحتاج لتوابعها لكى يتم التطهير الذى ربما يأخذ وقتا أطول من إسقاط النظام

* كاشفتنا الثورة أمام أنفسنا ففى ثمانية عشر يوما سقط طاغوت فأين كنا طيلة الثلاثين عاما، فنحن فى قوة لم ننتبه إليها، ولكن النظام قد فطن لها فشتت قوانا بين محن وفتن ولهو ولغو

*كشفت لنا الثورة عن ثأر بين الشرطة والشعب لم تخلفه الثورة بل، وثقوه هم بغباء يلفه كبرياء
أعتقد أنه سيحتاج لوقت طويل لكى ينساه الشعب ولحكمة غابت من جهاز طاله الفساد ولم تطهره ألسنة النيران التى أحرقته ، وأعتقد أننا فى حاجة لإعادة هيكلة جهاز الشرطة حتى يستطيع الشعب والشرطة أن يفتحا صفحة جديدة من كشكول خالٍ من أى تأريخ للماضى بعد محاكمة كل من تسبب فى حالة الانفلات الأمنى وإراقة دم الشهداء، ووضع معايير جديدة تخدم الوطن والشعب فى القبول لكلية الشرطة

*كشفت لنا الثورة عن اختلاط المفاهيم والقيم عند البعض فكدنا نسمى الذل بالسماح، والسذاجة بالعاطفة، والسجن المؤبد بالعشرة، وقد روج بعض المستفيدين من النظام البائد لهذه المعتقدات الغريبة، فنحن نحتاج لتصحيح المعتقدات الفكرية التى عادة ما يقتبسها الأفراد من مجتمعاتهم دون التأمل أو التدبر فى صحتها أوسقمها ، فعلينا أن نفرق بين الجهالة والعمالة فنقوّم هذا، ونسقط الآخر من عداد المواطنين "أما من عمل منكم السوء بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فإنه غفور رحيم"

* كشفت الثورة عن وجوه جميلة ونفوس أجمل لم أرها منذ زمن طويل..
برغم الظروف الاقتصادية فلم أجد سائقا استغل الأمر وطلب زيادة الأجرة ..بل كان العكس تماما

- لم أر وسط زحام الطريق إلا تكاتفا من المارين والراكبين حتى يكون سالكا لنا جميعا، وكأنه رمز مصغر لطريقنا نحو النصر

-افترش لى أحد الإخوة المسيحين اللوحة التى كان يرفعها لأسجد عليها حين لاحظ أننى أصلى وليس أمامى ما أسجد عليه

-عندما كنت أدخل مطعم لأشترى ما أتقوت به أجد الجميع يفسحون لى طريقا، ويمهل البائع الرجال، ويلبى طلبى

-مالم يشترك فى المظاهرات كان يحمى بيوتنا من بلطجية النظام ، وقد يكون يفعل هذا وذاك، فالرجال يظهرون وقت الشدائد

-رأيت رجالا ونساء يحملون طفلا أو رضيعا وسط المظاهرات؛ ليشهد طفلهم تغيير التاريخ ، فليحيوا جميعا بكرامة ، أو يموتوا فلا يورثوا لطفلهم الذل والعبودية

- رأيت مصريين حقاً تمنيت أن أراهم طيلة عمرى، رأيت شبابا انتفضوا كفى بهم نصرا، رأيت أخلاقاً تصنع أمة عظيمة فى ثمانية عشر يوما يُسطر فيها مالم نسطره طيلة ثلاثين عاما ،فهى أعظم أيام فى تاريخ مصر، لن يوفيها حقها بضع كلمات ، ولكن أنهى مقالى ببعض ما استخلصته فى هذه الأيام

# يتصور الكثير أننا سنقيم دولة العدل والحرية فى أيام وأسمع تساؤلات عن متى ستتحسن أوضاعنا ، لن أقول أن ثمار الثورة سيحصدها أبناؤنا ، بل سينالنا بعضا من الثمار ، فمهلا أيها الكرام ، ومن كان منكم بيده فسيلة فليغرسها ، ولنتحد جميعنا
فقد هدمنا فى أسابيع نظام عتيد ظالم بُنى فى ثلاثين عاما والهدم أسهل من البناء ، فلننتظر سنوات عدة وليست عشرات حتى نبنى آخر يقوم على العدالة والحرية

# استبعاد الرسائل السلبية التى تأتينا من بعض المتخوفين أو الكسولين أو المنتفعين من النظام القديم فنجد من يشكو الفوضى وعدم الاستقرار، ويتغنى بأمان قد كان ولا أجده إلا أمان السجن الذى ينطوى فيه السجين على نفسه
فقد ظلت سنوات تتكرر على مسامعى عبارة كانت بسيطة، ولكنها محبطة بينما كنت أجرى حديثا عن أحوال البلد مع سائق مركبة وأبث فيه الأمل وتغير الأحوال وجدته ينهى الحوار بتلك الجملة" البلد دى ماتت واللى مات مش بيحيا تانى" ولكننى تذكرت قوله تعالى " ويحيى العظام وهى رميم" بعد تحقيق النصر

# من ملحقات الثورة ملاحقة فلول النظام القديم من حزب السلطة ورجال الأعمال ومحاسبته ومحاربة تزواج السلطة والمال وفكرة السلطة المطلقة، والإسراع بتغيير الدستور، وتعديل القوانين المفصلة على النظام القديم حتى لا يأتى لنا من يقول"إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون"
# # هناك أبطالا دفعوا حياتهم، ودفعهم أهلهم وذويهم نحو ساحة المعركة ، ودفعوا نفسهم دفعاً للتضحية فقبلهم الله عنده شهداءً أبرارا بإذنه تعالى،وآخرون قدموا نور عيونهم فكانت لنا سراجا وهاجا ، وآخرون قدموا قدما نتكىء عليها أو يدا انتشلتنا من براثن الظلم ، وهناك من قدّم كل هذا وهو فى ريعان شبابه ، جميعهم سوف يخلدهم التاريخ، ونتذكرهم أبدا ما حيينا ، ونحكى بطولاتهم لأبنائنا، ونحمل آباءهم، وأمهاتهم، وزوجاتهم ، وأولادهم فوق رؤوسنا ، وعلي المسؤولين تكريمهم وتقديم لهم العون بكل السبل، وهو واجب ؛ ليحيوا حياة لائقة، فقد أهدوا لنا عبر ذويهم أروع وأجمل ما فى الحياة...

إنها الحرية

كنا نستسلم للكدر وكأنه القدر
ولكننا استطعنا أن ندفع قدر الله بقدر الله

فمن الحين لن نقدس قادتنا ..لن نحنى هامتنا ..ولن نفرق من وحدتنا .

وفإن كان الأمس قد ولى بصمتنا.. فاليوم قد آتى بثورتنا

والله أكبر

الخميس، 3 فبراير 2011

رقصة الموت




تحية إكبار وتقدير لشباب مصر

شباب مصر الذين عانوا لعشرات السنين حتى أثكلتهم المعاناة، وظننا أنهم قد ثملوا ،أو.. وهنوا

فهذا الشعب الذي كدت أفقد الثقة فيه نهائيا قد خيب ظنى.... وأسجد لله شكرا وحمدا

وبرغم حزنى العميق على شهدائنا..كانت فرحتى بلك الانتفاضة التى أتت تنفض غبار السنين ، فكانت كالمارد الذى خرج ليعلن أنه كان محبوسا، مقيدا ،مخدرا، ولكنه....لم يمت

تتلاحق الأحداث، ويترقى الشهداء،ويتزايد الناس، فيهب من هجع، ويفيق من غفل، وأصبح النظام كالذى يتخبطه الشيطان من المس ؛ فأضحى يخرب منشآته، ويحرق آثاره، ويقتل أبناءه ...

ولكنها رقصة الموت على سيمفونية الرحيل

فكان أكثر جنوناً من نيرون الذى أحرق روما وقتل شعبه ، ثم ألصق جريمته بمسيحى روما ، وهكذا يفعل مبارك فقد خرب الوطن وقتل أبناءه، ثم وقف بكل جبروت ؛ ليعلن أنه لن يرحل، وأن من طالب بالحرية هو من تسبب فى الفوضى، ولم يبد حتى الأسف على ما وقع من ضحايا وخراب

وإن شاء الله سيكون نهاية مبارك مماثلة لنهاية نيرون حيث إن الروايات اختلفت فى انتحاره، أو قتله على يد أعوانه

مضى على الانتفاضة تسعة أيام ولم تنته بعد وقد أظهرت لنا الكثير.. وسوف تظهر لنا الأكثر

أظهرت لنا الثورة أن النظام يكره هذا الوطن وأبناءه أكثر مما كنا نتصور، وعنده استعداد أن يحرق الوطن كله ؛ ليتربع على أنقاضه، وأشلاء أبنائه

أظهرت لنا الثورة أن جهاز الشرطة ليس إلا عبئا وعالة على الشعب المصرى ، فعندما عاقبنا النظام بانسحابه كان الشباب يقومون بدور الشرطة من تنظيم مرور، وحماية بيوت، ومنشآت من خلال اللجان الشعبية

أظهرت لنا الثورة وجوها كثيرة كانت تغنى بالأمس للنظام ،ثم صارت تهجوه، واليوم وقفت فى حيرة حين أحكم الطاغية قبضته حول المتظاهرين، وأطلق كلابه... فظنوا أنه قد نجا فانقلبوا على أعقابهم مرة أخرى

أظهرت لنا الثورة أن الشعوب تصنع إرادتها ، وتفرضها على الحكام وليس العكس ، فهما أحكم النظام قبضته الأمنية ومهما صهر الحديد ، وأشعل النيران ، فالشعوب قد تتحمل، وقد تصبر طويلا، ولكن عندما تثور فلن ينفع النظام حديده وناره

أظهرت لنا الثورة أن للطغاة أعوان لابد من اجتثاثهم جميعاً فهم كالحشائش التى تلتف بالشجرة الخبيثة

أظهرت لنا الثورة أن جميع مؤسسات النظام لا تحترم عقولنا ؛ فالإعلام يقوم بتمويه سخيف وساذج للأحداث.. وكل وظيفته أصبحت نفى ما يأتى فى القنوات الفضائية الأخرى التى تبثنا الحقيقة

أظهرت لنا الثورة أن شبابنا إن لم نشغلهم بالحق صاروا دمية فى أيدى مخربى الوطن أو مسؤوليه فالتظاهرات كانت تضم المسلمين والأقباط، و لم يحدث مجرد احتكاك طائفى وكان الأقباط يحمون ظهور المسلمين فى صلاة الجمعة، كما لم تحدث حادثة تحرش واحدة برغم الحشود التى ضمت الشباب والفتيات

أظهرت أن الشعب المصرى لازال يحمل خيرا كثيرا ، وقلة مازال الجهل يغيبها، والجوع يفقدها العقل فلابد أن نملأ العقول والبطون.. حتى لا تغيب العقول من أجل البطون

إن شاء الله سنحصد النجاح بعد غدٍ، فإن كتب الله لى الشهادة.. فأطلب من شعب مصر العفو لأننى ظننت به سوءا، وإن قدر الله لى أن أكون أمام الحاسوب مرة أخرى سنحتفل جميعا بالنصر والخلاص

يااارب





الاثنين، 17 يناير 2011

زين الهاربين...وموتٌ يهب الحياة




إذا الشعب يوما أراد الحياة فلابد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي ولابد للقيد أن ينكسر ...

وتحققت أبيات الشاعر التونسى أبى القاسم الشابى على يد شعبه ،وحظيت هذه الأيام بنشر لم تحظ به من قبل

ربما لأنها لم تثبت مصداقية أكثر من اليوم..فالناس قد ألفت الظلام، وأنست لليل، وتقلدت القيود، وكأنها سوار الحياة

اشتعل الأمل بداخلى بعد أن كاد يخبت ، وغبطت الشعب التونسى على تاريخه الذى صنعه بإرادته ، وتألمت على تاريخنا الذى طمسناه بأيدينا، وبتنا نتمسك بجغرافيتنا، فاختلط التاريخ بالجغرافيا، وانعدم الاثنان

كان بن على طاغية ، وتصور أنها ملك بلد بشعبها كظن كثير من الحكام العرب ، واحتكر ثرواتها، ونهب خيراتها، وخدر شعبها بوعود وشعارات "من أجلهم" وهى من أجل الكرسى لا غير

لم تنجح الممارسات القمعية الأمنية فى إصلاح قيد استمر قرابة ربع قرن وقد علاه الصدأ، وبلاه الرّين، ولكن مازال هناك من يظن ان بن على لم يحكم قبضته الأمنية بشكل جيد على الشعب
فآخرون يسّخرون النظام الأمنى بأكمله لحماية فرد من شعب.. وليس لحماية شعب

بعد 65 عاما من استقلال تونس عن فرنسا تمكنت من الفكاك من احتلال لم يتغير كثيرا عن الاحتلال الفرنسى، وهو احتلال الحزب الواحد والأسرة الحاكمة
وما بين 65 عاما و 75 عاما من جلاء الانجليز فى مصر لم يحدث غير مزيد من الاحتلال الوطنى

الفساد ...البطالة...وثالث الأثافى الجوع الذى انحصر فى رغيف الخبز، وليس صحن ثريد

فشخص جائع فى حالة بحث عن لقمة العيش ؛ فلا يجد عمل يسد به رمقه، ويصطدم بالفساد، والمحسوبية، والبيروقراطية فى كل مكان يذهب إليه ؛ فالثلاث مشكلات اجتمعوا فى معاناة يومية للمواطن العربى الذى يعانى من نظام جاثم على صدره منذ أكثر من ربع قرن

العدالة التى ينشدها الفرد، والعمل الذى يوفر له المسكن والمطعم، والكرامة التى تحققها له لدولة ...أظنها مطالب كل شعب أنهك من البحث عن لقمة العيش، وكممت أفواهه، ويعانى أغلبه من البطالة انها مطالب لن يختلف عليها شعب تونس أو ليبيا أو الجزائر أو مصرأو...

وبين شعب مصر وشعب تونس أجدنى أعقد تلك المقارنة، ليست بدعوى المحاكاة ؛ ولكن للبحث عن أوجه الاختلاف فى شعبين اتفقا فى أوجه شبه كثيرة

وأجدنى أتساءل هل هو اختلاف جينى أم اجتماعى أم ديموجرافى ؟

فالشعب المصرى شعب عاطفى .... لا يعرف الشماتة، ويظهر وجهه الحقيقى وقت الأزمات، فحزن لوفاة حفيد الريس وتعاطف مع الجد ودعا للأسرة ، وأرسل برقيات التعازى والمواساة، ودعا لها بطول العمر وبشر الدعاة للأسرة الحاكمة بجنة الخلد، بينما لم يتأثر الشعب التونسى بتوسلات بن على فى خطابه الأخير ..بعد أن كاد يذرف الدمع

الشعب المصرى يرضى بأقل القليل... لم يرض الشعب التونسى بوعود بن على بإقالة الحكومة وحرية الرأى، وغيرها من المطالب التى للأسف يصدقها شعب آخر كالشعب المصرى فيقبع المعتصمون من عمال وموظفين أياما مطالبين بحق مهضوم، أو مطالب مهدرة، وسرعان ما ينفض الاعتصام فى ظل وعد، أو ترضية تافهة ، وعلى الأكثر بضع جنيهات، أو علاوة استثنائية لن تدوم

الشعب المصرى يصدق الوعود ويحترم القيادات... فيصدق وعود فرص العمل، وسكن الشباب ،ويعد الخطابات والتصريحات "كلام رجالة" وينتظر التنفيذ حتى وان رحل الجيل، وتلاه آخر فكلام الرجالة لا ينزل الأرض أبدااا ..بينما لم يصدق الشعب التونسى وعود بن على فى خطابه بخفض الأسعار وحرية الصحافة ، وطالبه بالرحيل ...وقد كان

الشعب المصرى شعب فدائى ... انتفض الشعب التونسى من أجل مواطن أحرق نفسه ..ولم ينتفض المصريون من أجل آلاف احترقوا فى قطار الصعيد، أو غرقوا فى عبارات السلام، أو قتلوا فى أقسام الشرطة ومازال الشعب المصرى يقدم حياته قرابين للنظام والحكومة و"نموت نموت وتحيا الحكومة"

الشعب المصرى شعب "ابن نكتة".... بينما ترجم التونسيون غضبهم طيلة 23 عاما من الحكم فى ثورة شعبية...ينفث المصريون عن غضبهم بشكل ساخر هزلى ؛ فكم النكات السياسية التى خرجت طيلة ثلاثين عاما تفوق عدد القرارات السياسية، والمعتقلين وسجناء الرأى ،وشهداء النظام، فكل قرار له نكتة، وكل موقف له نكتة

الشعب المصرى أصيل ويصون العشرة.... لم يخمد تصريح بن على فى عدم ترشحه لفترة رئاسية أخرى فى 2014 الثورة بل كان مصرا على رحيل الرئيس.. بينما الشعب المصرى كان على الرحب والسعة بفترة سادسة، وبتصريح الرئيس مبارك إنه باقٍ لآخر نفس

الشعب المصرى قوى البنيان والنظام... منذ سنوات ويعلن السياسيون أن النظام المصرى يترنح، ونتعجب جميعنا لقدرة النظام المصرى على البقاء مترنحا كل هذه الفترة.. فى حين لم يمر النظام التونسى بهذه المرحلة بل ترنحه لم يتعد أسابيع ثم كانت النتيجة الطبيعية للترنح ألا وهى السقوط

الشعب المصرى شعب مؤدب ومحترم.... فلم تخرج مظاهرات تنادى بسقوط الرئيس فعلى الأكثر تهتف بسقوط وزير أو رئيس الوزراء بينما لم يرض الشعب التونسى غير رحيل بن على، ويبدو أن الشعب التونسى برغم رقته وحلمه عرف أن ثورات التغيير لا تعرف المجاملة والحياء و...


وحتى لا أطيل على القارئ أترك له حصر مزايا الشعب المصرى التى قد يراها غيرنا عيوبا..

وأخيرا ..

* تغلى المراجل من أكثر من ربع قرن فى كثير من البلدان العربية أما آن الآوان لتنفجر ؟؟

* أعتقد أن الثورة الشعبية فى تونس قد حققت مكاسب كبيرة بأقل عدد من الضحايا أو شهداء الحرية كما يجب أن نطلق عليهم ؛ فالثورات والتغيير لابد لهم من شهداء ..فلكم وهب الموت الحياة

* حتى لا تتحول ثورة 14يناير إلى نسخة مكررة من ثورة 23 يوليو لابد من غربلة المجتمع، والقضاء على أرجوزات النظام

* عارٌ على أى دولة تسمح باستضافة بن على الطاغية حتى ولو بدعوى الإنسانية ، وهى لن تعدو إلا شريكة فى هروب الطاغية من محاكمة لابد أن تلاحقه

* سرعان ما انفض ساركوزى عن زين الهاربين، ولم تنفعه فرنسا ولا غيرها، كما لن ينفع غيره أمريكا ، فإذا ثارت ثائرة الشعب ، وانكسر القيد فتوقعوا للمارد أن ينهض من سباته العميق، ويحول الجميع دون وثاقه مرة أخرى

* إذا لم يكن خالد سعيد أو سيد بلال أو غيرهما شرارة انطلاق لثورة قد تغير أرجاء المحروسة.. فانتظروا القادم، فإن النار من مستصغر الشرر

* بدأت الحرائق تشتعل فى أنحاء الوطن العربى ، ولكن يبدو أنها بردا وسلاما على الأنظمة الحاكمة

فكما قال بشار بن برد: لقد أسمعت لو ناديت حيا *** ولكن لا حياة لمن تنادي
ونار لو نفخت بها أضاءت *** ولكن أنت تنفخ في رماد


بدأت مقالى بأبيات للشاعر التونسى، وأنهيه بأخرى للمصرى فاروق جويدة برغم أنه وجهها ل "بوش" وأراها مناسبة لكل طاغية

فاخلع ثيابكَ وارتحل
وارحل وعارك فى يديك
فالأرضُ كل الأرض ساخطةٌ عليك


ارحللللللللللللل ..... والمواصلات علينا

الخميس، 6 يناير 2011

كلنا مضطهدون..


العدل قيمة عظيمة تستقيم معها الحياة، وقد حرص عليها الإسلام، وأمرنا بها فى كل مقام ومقال ..

فللعدل ميزان لاينبغى أن يختل فى أى وقت، وتحت أى ظرف فذلك يؤدى لثقل فى الصدور، وبغض فى النفوس

فقد حرص الإسلام على تعزيز الوحدة الاجتماعية داخل الوطن الواحد، وأكد على ضرورة تماسكها،فمن سمات المجتمع الإسلامي إقراره للتعايش وفق منهجه السمح في تعامله مع المخالفين، والمسالمة مع المسالمين، وقد كان هذا الأمر من أولويات رسول الله صلى الله عليه وسلم عند تأسيسه الدولة الإسلامية الأولى في المدينة، ليقيم نظاماً أمنياً مشتركاً مع الديانات الأخرى ،حيث لم يكن المجتمع مقصورا على المسلمين ، لذلك وضع الإسلام قواعد وأحكاماً تنظم علاقة المسلمين معهم، وتنظم التعايش بينهم وبين المسلمين في المجتمعات الإسلامية في مختلف الأزمان ، وعلى مر العصور.

لقد أكد الإسلام التعايش الاجتماعي الآمن من أصحاب الديانات الأخرى المقيمين في كنف الدولة الإسلامية، وأوصى رسول الله بحفظ حقوق أهل الكتاب، ورعايتها، وصيانة دمائهم وأموالهم، وعدم الاعتداء عليهم، فقد قال رسول الله : من قتل معاهداً لم يرح رائحة الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عاماً.

إن ظلم المسلم لغير المسلم لن يعود إلا بخراب على المجتمع بأكمله (وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) وكلنا يعى ذلك جيدا

لذا فإن مرتكبى حادث تفجير كنيسة الإسكندرية ليسوا بمسلمين ولا ينتمون لأى دين بأى صلة ، فالإرهاب ليس له دين ولا مبادئ

إن روح الإسلام السمحة، وعدالته القائمة، هى للبشرية عامة وليس للمسلمين خاصة ، لنشر الرحمة، وإقامة العدل، وشيوع الأمن ،وتوطيد العلاقات الإنسانية.

فالإسلام لا يحكم بانزواء جميع العناصر التي تعيش داخل مجتمعه ممن لا تدين به، بل يدعم العلاقة بينها وبين المسلمين، ويحترم المواثيق، ويفى بالعهود، ولا يقبل الظلم ، وينهى عن الغدر
فالله عز وجل الذى قال (فسيحوا فى الأرض) و(وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) هو من جعل موضوع التعامل مع غير المسلمين جزءاً لا يتجزأ من شريعته المتكاملة، وهو نظام لا ينبغى الخروج عليه طالما ارتضى كل منا الإسلام دينا، ولم يترك الإسلام العلاقة مع غير المسلمين لتقلبات المصالح والأهواء، ولنزعات التعصب العرقي أو الديني.

لقد تقبل الإسلام وجود الآخر، وأبرز أهمية التعامل معه، ووضع القواعد التي تضمن حق المسلمين في المجتمع، وحق الآخرين الذين يعايشونهم، دائماً أو بصفة مؤقتة، ولم يكن ذلك موجودا فى الإمبراطوريات القديمة قبل الإسلام.

كما أن القواعد التي وضعها الإسلام لتنظيم العلاقة بين المسلمين وغيرهم في المجتمع المسلم، تتميز باليسر والسماحة ، وحفظ الحقوق، وتجنب الظلم لمجرد الاختلاف في الدين، فهناك حد أدنى يجب الحفاظ عليه، حتى في حالة العداء أو القتال، وهو الكرامة التي وهبها الله لبني آدم جميعا ، كما قال تعالى:
(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا )

وسواء ما نسب للإمام ابن تيمية صحيحا أو باطلا "بأن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة" فالمنطق يقر هذا المبدأ لأن العدل أساس الحكم، والمواطن المسلم أو غير المسلم لا يريد من الحاكم إلا أن يحكم بالعدل، ويوفر له الأمن،والذى ينص عليهما ديننا العظيم

فالمواطن ونظيره سواء كان مسلما أو مسيحيا لا يريد كلاهما من الآخر غير المعاملة الحسنة، طالما يعيشان فى سلام، وأمن، وعدل يتحقق للطرفين

فالاضهاد الذى يزعمه الأقباط يعانى منه أيضا المسلمون فالكل يعيش فى بوتقة الظلم، وافتقاد العدل والأمن طالما قانون الطوارئ باقٍ يروع الآمنين ، ويهتك حرماتهم

ومع ذلك فالاضطهاد الذى يلاقيه المسلمون لم يره الأقباط بعد...
فهل حوكم الأقباط من قبل فى محكمة عسكرية؟
هل صودرت أموالهم ؟
هل انطوت الزنانين على مئات منهم ظلما وتعسفا لا لشيء إلا لأنهم قالوا ربنا الله؟

فإخواننا الأقباط يمارسون شعائرهم فى كنائسهم، ويحتفلون بأعيادهم،وبالرغم من عزم الحكومة على تركيب كاميرات مراقبة فى المساجد قيل انها نوعا من الأمن ، لم نسمع عن مثل هذا الإقدام حتى يكون فعلا نوعا من الأمن بما أنهم يرون فئة مضطهدة تفتقد الأمن والأمان

الحادث جلل ، وخطير ويضعنا على شفا جرف هار ، إذا لم نعالجه بحكمة وروية، ولكن للأسف مع وجود تلك الأصوات وجدنا أن هناك من استغل الحادث لإشعال الفتنة ، مستخدما عبارات الاضطهاد والأقلية

وإذا ما سلمنا بمبدأ الاضطهاد، فمن يضهد الأقباط؟؟
هل هو المواطن المسلم!!
فالمسلم والقبطى تربطهما علاقة الجوار أو الصداقة أو الشراكة وحقوق كل هذا المعاملة الطيبة
فأى اضطهاد سيلاقيه الجار المسيحى من جار مسلم؟ وإن حدث ، فمن يرد هذا الظلم والجور؟
أليس القانون الذى هو غائبا فى هذا الوطن ؟ فإن الله يزع بالسلطان مالايزع بالقرآن
فالمسلم والقبطى مشاكلهما واحدة فى هذا الوطن وكلاهما يعانى من ضغط شديد واقعا عليه، للأسف ينفث عنه فى غير موضعه
ففى حادثة ابن والى مصر "محمد بن عمرو بن العاص" المعروفة التى ضرب فيها القبطى فاحتكم إلى الخليفة عمر بن الخطاب، واقتص القبطى من محمد بن عمرو بن العاص

كان هذا هو رد فعل الخليفة أو "الحاكم" بلغة اليوم وهو إقامة العدل ، بل والعدالة الناجزة التى لا تسمح أن يتسرب لطالبها بعض من ظلم أو اضطهاد ، وسرعان ما أزالت فى صدر القبطى من ظلم ،وما فى نفسه من مرارة ، وكان درسا للمسلم بعدم الجور حتى وإن كان ذو سلطان
لو لم تكن العدالة الناجزة ...ألم يكن رد الفعل هو الشحن ومن ثم الانفجار؟
لذا كان دور الحاكم فى غاية الأهمية
احترم القبطى قوانين بلد مسلم فلجأ إلى الحاكم المسلم العادل ليرد الظلم عنه، ..لم يستقو بالخارج .. لم يشعل فتيل الفتنة، ويجمع الأقليات كما يسمونها، ويشكو الظلم والجور والاضطهاد،

وبالرغم من أن حادث الكنيسة من صنع الخارج.. إلا إننا سمحنا اليوم لهذه الأيدى أن تعبث ،وقد كانت بالأمس لا تجرؤ على ذلك، وهو برمته مسؤول فيه عدة أطراف:

*الحكومة التى بات القانون فيها غائبا وبالتالى ما يوفره هذا القانون من أمن وعدل ورد حقوق ورفع مظالم
*الكنيسة التى لا تحترم النظام القضائى، وباتت سلطة موازية لسلطة الدولة ، وتعدت دورها الدينى إلى دور سياسى أدى إلى تفاقم العديد من المشاكل
*بعض المتطرفين من المسلمين والأقباط خاصة فى الفترة الأخيرة الذى رأينا فيها تجاوزا من بعض رجال الدين الأقباط بكلام يمس المسلمين بل، ويمس سيادة الدولة المسلمة
*المعالجة الإعلامية والسياسية التى تعالج الحوادث بسطحية شديدة سواء بشعارات جوفاء، أو ترديد أغانى وطنية ،و تنفى عن الحكومة أى مسؤولية وتلقيها على الشعب

الخطر يحدق بنا جميعا مسلم وقبطى، والكل يغط فى نوم عميق، فمن باع الوطن ونهب ثرواته لن يضيره تقاتل أبنائه، ولا تفكك شرائحه، فدعونا ننجو جميعا من خطر يحدق بنا ، فلا عاصم لنا اليوم إلا أن نأوى إلى جبل الوحدة والترابط



وبالعدل تسير الأمور وتستقيم الحياة
فخيرحاكم يأمر بالمعروف ويقسط فى قضاه
ويعطى كل ذى حق حقه ويعلم ان للمظلوم رب فى علاه
وإياك وظلم العباد ..فدعوة المظلوم لا ترد فى سماه
فلا تؤاخذانى بما فعل السفيه بنا يامن يرانى فى علاه ولا أراه

السبت، 1 يناير 2011

قضايا فنية

2-رؤية الإخوان للفن


من كان بلا رؤية للحياة بمناحيها فهو لا يبصر..بل يسير مع الظلام نحو اللاهدف


لم ترق رؤية الإخوان للفن عموما لمن يريدون للساحة أن تكون بلا قيم، ومبادئ، وأخلاق ، فعابوا علي الإخوان حصرهم للفن بما انضبط مع الأخلاق الإسلامية ،وزعموا أن الفن لا ضوابط له، وأنه من العلوم المعيارية التي تنهض بالمشاعر


و مازالت تصر الدراما على أن تصور الإسلاميين بصورة تعكس وجهة نظر النظام، وليس وجهة نظر الناس، أو حتى الفنانين أنفسهم


فبينما يرى الإخوان الفن أنه نوعا من الإبداع الراقى الذى يهدف إلى الإصلاح... يرى القائمون على الفن وجوب الفصل بين الفن، والقيم الأخلاقية مدعيين تقديم الواقع، وطرح المشاكل التى تحيط به

ولكن كيف يجمع الفن بين متناقضين؟

 
كيف يكون الفن عملا إصلاحيا وهو فى ذاته لايمت للصلاح فى شىء ..وكيف يدعو للفضيلة من خلال عمل سينمائى مقدما مشاهد فجّة

أما العاملين بالحقل الفنى فقد يقبلون على تنفيذ رؤى بعض المخرجين فى قناعة أو اضطرار ،ولكن ربما لو تواجد الدعم والعمل الجيد لرّحب من اقتنع .. وجرّب من اضطر ..وأقبل من أحجم

وبينما آمن الإخوان بأهمية الفن في عملية الإصلاح، ورأوا ضرورة أن تهتم الحكومات بتهذيب الفنون، واستخدامها ثقافيًّا وتهذيبيًّا وإصلاح شأنها، ومراقبة بالسينما والتمثيل مراقبة دقيقة، وتشجيع المؤلفين المسرحيين والسينمائيين على اختيار الموضوعات، وتأليف هيئة خاصة بذلك ..يرى المعارضون أن ترفع أى جهة رقابية يدها عن الفن مبررة ذلك بأنه قيد للإبداع..وما ذلك إلا سبيل للانفلات الأخلاقى

. يقول الإمام البنا فى رسالة "هل نحن قوم عمليون" رأى قوم أن يصلحوا من أخلاق الأمة عن طريق العلم والثقافة، ورأى آخرون أن يصلحوه عن طريق الأدب والفن، ورأى غيرهم أن يكون هذا الإصلاح عن طريق أساليب السياسة، وسلك غير هؤلاء طريق الرياضة، وكل أولئك أصابوا في تحديد معاني هذه الألفاظ أو أخطأوا، وسددوا أو تباعدوا، وليس هذا مجال النقد والتحديد، ولكن أريد أن أقول: إن الإخوان المسلمين رأوا أن أفعل الوسائل في إصلاح نفوس الأمم ..الدين ،ورأوا إلى جانب هذا أن الدين الإسلامي جمع محاسن كل هذه الوسائل وبعد عن مساويها، فاطمأنت إليه نفوسهم وانشرحت به صدورهم".


وهذا الكلام يدلل على رؤية الإخوان لأهمية الفن بشكل عملى لخدمة وإصلاح المجتمع

ففى الوقت الذي يعتبر كثير من الناس أن الفنون ليست سوى كماليات قد يمكن الاستغناء عنها، رأى الإخوان عكس ذلك تمامًا... فالفنون أنشطة إنسانية، واجتماعية لصيقة بحياة ، ومتطلباتهم وطموحاتهم

وتاريخ الإخوان فى حلبة الفن قديم يبدأ منذ نشأة جماعة الإخوان المسلمين، وقد شهدت الفترة تطورا فى البنية الإصلاحية للمجتمع والسياسة والدين كما شهدت هذه الفترة تطورا في علاقة الإخوان بالفن فقد أسس عبد الرحمن شقيق الشيخ حسن البنا لأول مسرح إسلامي عرف باسم "مسرح الإخوان المسلمين" الذي بدأه بتقديم أعمال عاطفية ورومانسية أولها مسرحية "جميل بثينة" التي تتناول إحدى أشهر القصص الغرامية في التاريخ العربي وكانت بقلم الأستاذ عبد الرحمن البنا شقيق الإمام حسن البنا

وتوالت أعمال مسرح الإخوان مثل بنت الإخشيد وغزوة بدر وسلسلة من المسرحيات التى أُطلق عليها "مسرحيات عامة" وأخرى "مسرحيات إسلامية"

كما كوّن الإمام حسن البنا علاقة طيبة بالفنانين الذين تيسّر له الوصول إليهم والتعامل معهم ، فقد كان يتعامل مع الفنانين بروح طيبة تركت أثراً طيباً عن دعوة الإخوان في نفوسهم ، سواء كانت العلاقة بلقاء عابر لا يفوته فيه غرس معنى من معاني الإسلام الحسنة ، أو بإقامة علاقة ود معه.
 
فقد قال الفنان أنور وجدى فى أحد اللقاءات بالإمام حسن البنا : طبعاً أنتم تنظرون إلينا ككفرة نرتكب المعاصي كل يوم في حين أني والله أقرأ القرآن وأصلي كلما كان ذلك مستطاعاً

فقال له الإمام : يا أخ أنور أنتم لستم كفرة ولا عصاة بحكم عملكم ، فالتمثيل ليس حراماً في حد ذاته ، ولكنه حرام إذا كان موضوعه حراماً ، وأنت وإخوانك الممثلون تستطيعون أن تقدموا خدمة عظمى للإسلام إذا عملتم على إنتاج أفلام ،أو مسرحيات تدعوا إلى مكارم الأخلاق ، بل إنكم تكونون أكثر قدرة على نشر الدعوة الإسلامية من كثير الوعاظ والدعاة

والأستاذ سيد قطب إذ كان يسكن بجواره الفنان حسين صدقي ، وقد ذهب إليه يخبره أنه ينوي اعتزال التمثيل ، وتركه نهائياً ، فقال له سيد قطب : إنني أكتب عشرات المقالات ، وأخطب عشرات الخطب ، وبفيلم واحد تستطيع أن تنهي على ما فعلته أنا ، أو تقويه ، أنصحك أن تستمر ولكن بأفلام هادفة

أما الفنان عمر الشريف فهو يرى أن الإخوان لن يشكلوا أي تهديد للفن فهو يرى أنهم ليسوا معادين للفنون، ويؤكد أن أبرز قادتهم كانوا حريصين على متابعة الأعمال الفنية والسينمائية في فترة الخمسينيات".

وحول تخوف بعض النقاد على الحركة الفنية من الإخوان، قال الشريف "هذه ضجة مفتعلة، ومن يروجون لها لا يعرفون حقيقة فكر هذه الجماعة، وربما يكون وراءها مخاوف سياسية، لكن المؤكد أن وصولهم إلى البرلمان لن يشكل خطرا على الإبداع والفنون في مصر"
ومن هنا كان توضيح الإخوان لرؤيتهم فى الفن وتأييد أهل الفن فى تطبيق هذه الرؤية
وتتسق هذه الرؤية مع رغبة المشاهد فى وجود أعمال فنية هادفة..تجتمع حولها الأسرة دون خجل من مشاهد غير لائقة...أو تذهب لها دون تردد فى أنها ستلقى بقيّمها قبل نقودها

فالفن رسالة ..يؤمن به من كان له رسالة..ويطالب به أصحاب الرسالة
 
المصادر

رسائل الإمام الشهيد حسن البنا

البنا وتجربة الفن عصام تليمة

السبت، 25 ديسمبر 2010

اذهب وربِّ كلباً



عندما ينفصل الزوجان فى الأفلام الأمريكية، ويعانى الزوج الوحدة ومن ثم الاكتئاب؛ فيذهب لطبيب أمراض نفسية، ويسرد له معاناته مع الوحدة وافتقاد الأسرة فينصحه "اذهب ورب كلبا"

وتتكرر النصيحة من أخصائيين نفسانيين، أو أطباء فى معظم الأفلام الاجتماعية التى يعانى أحد أبطالها الوحدة والاكتئاب

وهنا نجد أن الكلب شيئ هام وأساسي فى الأسرة الأمريكية ، وينال قدرا أكثر أهمية حينما يعيش فردا ذكرا أو أثنى وحيدا

فالسيدة العجوز تتكئ على عصاها ؛ لتعد للكلب إفطاره ،والرجل يخرج فى الصباح، ليس لعمله ،ولا لأصدقائه حيث انفض الكل من حوله ؛ ولكن لينزه كلبه

إنه الآخر الذى يدعوهم للحياة، وينتظر عطائهم ؛ ليشعروا أن هناك من ينتظرهم فعليهم أن يتشبثوا بحياتهم التى كثيرا ما نجدهم يتخلصون منهم بسبب الوحدة والاكتئاب

فالمسؤولية قد نعدها ثقيلة، ونحلم باليوم الذى يأتى لنتخلص منها ونعيش بلا أعباء ولا مسؤوليات، ولكن الأشد ثقلا على النفس قبل الجسد هو الإحساس بالفراغ والوحدة، أن تشعر أن ليس هناك أحد يهتم بك أو تهتم به، لا تشكل قيمة أو أهمية فى حياة أى شخص، لاتنتظر أحد ،ولا أحدا ينتظرك

إنه الموت الذى يرتدى رداء الحياة

روت صديقة لى بأن السيدة التى تساعدها فى أعمال المنزل والتى طلقت من زوجها ؛ لأنها لم تنجب وتقطن فى عشوائية تفعل فعلا تتعجب صديقتى له، وهى أنها تستأجرابنة أى أسرة فقيرة لمدة سنوات فتعيش معها ،وتربيها حتى تطلب أسرة الطفلة التى صارت صبية ابنتهم فتعطيها لهم، وتكررالسيدة الفعل مع طفلة أخرى

فقلت لها إن هذه السيدة لابد أن تشعر بأنها تعيش من أجل شخص ما ينتظرها..تقدم له فتحيا، و تعطى له فتسعد لسعادته مرة، وتسعد بعطائها أخرى، فعقل السيدة البسيط هداها إلى نوع من العطاء يحقق لها الحياة.. رغم فاقتها الشديدة ؛ ولكنه إكسيرالحياة

ولو كانت قد نالت قدرا من الوعى ؛ لعرفت طريقاً للمؤسسات الخيرية ودور الأيتام التى قد تجعلها تشعر بقيمتها لأشخاص عدة بدلا من واحد فقط

فلنتخيل لو أن هذه السيدة التى حرمت من الأمومة فتركها زوجها، وبالتالى حرمت من الأسرة فإذا ما أتى عليها الصباح فلمن تقوم؟ ولماذا تعمل؟ وربما تحدثها نفسها من يريدنى؟ ولماذا أعيش؟

فأحيانا المسؤولية التى نتملص نحن منها يبحث عنها غيرنا ؛ ليشعر أنه يحيا من أجل شخص، وأن هناك شخصا ينتظره ويكون مسؤولا عنه

فعقلها البسيط هداها لتلك الفكرة التى قد نتألم لها ؛ ولكنها تسعد بها وتسعد طفلة فقيرة بين كُثر قد لا تنال عُشر الاهتمام الذى ستناله من هذه السيدة ،وتخفف العبء من على أسرة تؤجر ابنتهم لتطعم الآخرين

لم اقتنع بفعلة هذه السيدة ولكننى تعاطفت بشدة معها.. بل ومع الطرفين الآخرين

ووجدت أننا نتملل من نعم كثير مثل فرص العطاء التى نعتبرها مسؤوليات، و التى يبحث عنها آخرون، ويدفعون فيها مالا ليحصلون عليها

ووجدت أننا لم نحتاج أبدا لكلب ليؤنس وحدتنا، فنجعله قضيتنا وأمرنا وهمنا ؛ حتى نستطيع أن نكمل مسيرة الحياة ،فديننا العظيم يدفعنا دفعا لقضايا عدة نحيا من أجلها بل ويدعونا لكى نساعد الآخرين ليحيوا هم أيضا

فيدعونا لنبر أهلنا، ونصل رحمنا ، ونتواصل مع جيراننا، ونرأف بكبارنا ، ونرحم حيواننا، ونحسن إلى إخواننا من أهل الكتاب

بل وجعلنا كالجسد الواحد فى التراحم والتعاطف، وهذا يملى علينا واجبات تصل بنا إلى هذا البنيان القوى،والتشبيه البليغ ، فأى حياة هذه التى نحياها من أجل الغير ، وفى الحقيقة هى من أجلنا أيضا لأن كل هذا العطاء سيكون له مردود علينا لكى نستمر. ونعطى ..ونسعد

إن قيمة العطاء لا تمثل الحياة للطرف الآخر.. ولكنها تمثل قمة الحياة لنا

فقيمتك كإنسان تعلو بعطائك ..وقيمتك للآخر تعلو عنده بعطائك أيضا.. وقيمتك عند الله تفوق السابقتين إذا ما أخلصت النية

أحيانا نعتقد أننا سنسعد أو نحيا حياة أكثر سعادة بعطاء من حولنا، ولكن سنجد فى عطائنا سعادة تفوق سعادتنا عندما نتلقى

فبالرغم أننا والحمد لله لا نحتاج لكلب أو هرة أو أى حيوان نربيه فيؤنس وحدتنا إلا أننا لنا فى كل كبد رطبة أجر

فالكلب الذى كان يلهث غفر الله لمن سقاه

والهرة التى حبستها صاحبتها دخلت فيها النار

يقولون...على قدر عطائك يفتقدك الآخرون

وأقول ..على قدر عطائك ستكسب ذاتك، وتسعد نفسك

فما أجمل القيمة التى تكسبك نفسك والآخر، وتسعدك والآخر، وتمنحكما الدنيا وتهبكما الآخرة

فعطاء اليد يسمو بالنفس وبالروح
ولسان بجميل الكلم يطبب ألم وجروح
ففى السماء لكل منفق ومعط ثواب يلوح
وفى الأرض قلوب تحفك وبالود تفوح

 
Design by Wordpress Theme | Bloggerized by Free Blogger Templates | coupon codes تعريب : ق,ب,م